+
أأ
-

د. حازم قشوع : الحسين والضاد حتى نجران المعرفة

{title}
بلكي الإخباري

 

د. حازم قشوع

 

حين نستحضر نجران في ذاكرتها القديمة، فإننا لا نستحضر حاضرة من حواضر الجزيرة العربية فحسب، وإنما نستحضر مكاناً شهد تحولات الإنسان بين المعرفة والقوة والصورة.

فقد كانت نجران حاضرة مسيحية ذات حضور مهم في جنوب الجزيرة العربية، وأصبحت قصتها مرتبطة بأصحاب الأخدود، بعدما واجه مسيحيوها اضطهاد ذي نواس في القرن السادس الميلادي. ومن هنا تبدأ دلالة المكان في كتب الزمان عبر منطوق تاريخ الإنسان، فالجغرافيا لم تكن مجرد مساحة للحضور الإنساني، وإنما كانت مفتاحاً لحركة التجارة والسياسة والنفوذ، ولذلك بقيت نجران في الذاكرة بوصفها حاضرة صنعت من موقعها جسراً بين جنوب الجزيرة العربية ومحيطها. أقول هذا، وجنوب الجزيرة العربية يتم استهدافه كما نجران..!؟.

 

ومن تاريخ نجران تأتي دلالة الوزير زاهور المرتبطة بعلوم السيمياء، بوصفها دلالة رمزية على قدرة المعرفة على تحويل الخيال إلى صورة، والانطباع إلى مشهد يراه الآخرون ويدركونه. ومن هنا يمكن إسقاط مغزاها على مسار تطور المعرفة الإنسانية من حاضرة عنوانها نجران، باعتبارها صورة لفكرة ظل الإنسان يبحث عنها: كيف يحول ما يتخيله إلى شيء يمكن أن يراه الآخرون ويدركوه. وهذا ما تظهره قصة الغلام والراهب، حيث تتقدم المعرفة على القوة بصورة أخرى؛ فقبل أن يقول الغلام دعاءه الذي علّمه إياه الراهب، «اللهم اكفنيهم بما شئت»، كان قد انتقل من عالم الخوف إلى عالم المعرفة واليقين، فأصبح ما تعلمه قوة في مواجهة ما يملكه الآخرون من سلطة.

 

أما ذو نواس، فقد ارتبط في ذاكرة نجران بقصة أصحاب الأخدود، ليبقى نموذجاً لمرحلة كانت فيها السلطة تقوم على القوة والإكراه، حيث كان امتلاك القدرة على الفرض يعني امتلاك القدرة على التحكم بالمشهد. لكن التاريخ أثبت أن القوة لا تستطيع دائماً أن تتحكم بما يبقى في الذاكرة؛ فالنار انطفأت، والسلطة تغيرت، وبقيت نجران وقصة أصحاب الأخدود حاضرة في الوعي الإنساني، لتقول إن الجغرافيا قد تحفظ ما أراد أصحاب القوة طمسه، وإن المكان يمكن أن يتحول إلى شاهد على التاريخ أكثر من كونه مجرد مسرح له.

 

وكانت الحبشة، ممثلة بمملكة أكسوم المسيحية، طرفاً أساسياً في التحول الذي أعقب مأساة نجران؛ فقد تدخلت عسكرياً ضد حكم ذي نواس، وانتهى ذلك إلى سقوط نفوذه وامتداد السيطرة الأكسومية إلى اليمن. وهنا لم تعد نجران مجرد حاضرة مسيحية تعرضت للمحنة، وإنما أصبحت مفتاحاً لفهم حركة النفوذ بين الحبشة واليمن والجزيرة العربية، في زمن كانت فيه دولة أكسوم قوة إقليمية عابرة للبحر الأحمر. ثم جاء أبرهة، الذي أصبح حاكماً أكسومياً في اليمن، فارتبط اسمه ببناء الكنيسة الكبرى في صنعاء وبالحملة على مكة، وهي الحملة التي ارتبطت بعام الفيل في الذاكرة الإسلامية، والذي يؤرخ له تقليدياً بنحو 570م.

 

ومن هنا تبدو نجران وكأنها كانت مفتاحاً لجغرافيا أوسع، كما كانت اليمن مفتاحاً لجنوب الجزيرة العربية، فالمكان الذي شهد الأخدود لم ينته أثره بانتهاء الحادثة، وإنما انتقلت دلالته عبر الجغرافيا إلى الحبشة واليمن ثم إلى مكة، لتصبح تلك المرحلة واحدة من اللحظات التي التقت فيها القوة بالدين والتجارة والجغرافيا وصناعة النفوذ. وهنا تظهر قيمة المكان، فالجغرافيا لا تتغير بسهولة، لكن من يستخدمها هو الذي يحدد اتجاهها، ولذلك يمكن للمكان ذاته أن يكون طريقاً للحياة والبناء، أو ساحة للصراع والهيمنة.

 

أما عصرنا الحديث، فإنه ينتقل من مركزية سلطة القوة إلى سلطة المعرفة، فلم تعد السيطرة مرتبطة فقط بمن يمتلك السلاح وأدوات الإكراه، وإنما بمن يمتلك المعرفة القادرة على تشكيل الصورة التي يرى الإنسان من خلالها واقعه. فمن يمتلك المعرفة يستطيع إنتاج المعلومة، ومن ينتج المعلومة يستطيع صناعة الانطباع، ومن يصنع الانطباع يصبح أكثر قدرة على التأثير في السلوك والقرار. ولهذا فإن ما يراه الإنسان لم يعد مجرد انعكاس للواقع، وإنما أصبح جزءاً من صناعة الواقع الإدراكي ذاته، وهذه هي النقلة التي تجعل المعرفة واحدة من أهم أدوات القوة في العصر الحديث.

 

وهذا ما نراه في حياتنا المعاصرة، فالحرب لم تعد تدار في الميدان وحده، وإنما تدار أيضاً في الفضاء الإعلامي والرقمي، والصورة التي تصل إلى الناس عن الحرب أصبحت جزءاً من نتائجها. والأسواق كذلك لا تتحرك فقط وفق ما يحدث، وإنما وفق ما يعتقد الناس أنه سيحدث، وفي السياسة أصبح تشكيل الرأي العام وإدارة الصورة وصناعة الرواية جزءاً من أدوات التأثير التي قد تسبق القرار السياسي نفسه. ومن يستطيع أن يؤثر في ما يراه الناس يصبح أكثر قدرة على التأثير في كيفية فهمهم لما يحدث من حولهم.

 

ومع الذكاء الاصطناعي تدخل هذه المعادلة مرحلة أكثر تقدماً، لأن الإنسان أصبح قادراً على تحويل الوصف إلى صورة، والفكرة إلى محتوى، والمعلومات إلى نماذج قابلة للرؤية والتداول، بل أصبح بالإمكان إنتاج مشاهد لم تقع أصلاً بصورة تجعلها تبدو حقيقية أمام العين. وهنا تظهر أهمية الهندسة المعرفية، فهي لا تتعامل مع المعرفة باعتبارها معلومات متراكمة، وإنما باعتبارها قدرة على بناء الصورة وإعادة ترتيب المدركات وتحويل المعرفة إلى تأثير. ومن هنا يصبح الذكاء الاصطناعي إحدى أدوات الهندسة المعرفية الحديثة، لأنه يوسع قدرة الإنسان على إنتاج المعرفة والصورة وإعادة تركيبها، ويجعل مسؤولية استخدامها أكبر من أي وقت مضى.

 

لقد تحولت نجران، في حينها عبر دلالتها الحضارية، من حاضرة تاريخية إلى معنى يمكن أن نستحضره اليوم في وادي السيليكون الأمريكي وشنجن الصينية، حيث انتقلت المعرفة من كونها مخزوناً فكرياً إلى قوة إنتاجية تصنع الاقتصاد والتقنية ومستقبل المجتمعات. لكن ذاكرة المكان تبقى شاهدة على أن الجغرافيا لا تفقد ذاكرتها، وأن الحاضرة الإنسانية تقاس بما تصنعه من أثر وما تتركه من معنى. فإذا استخدمت المعرفة في طريق الخير والبناء والاستدامة، أصبحت قوة لصناعة الحياة، وإذا استخدمت في طريق الهيمنة والإقصاء وصناعة الوهم، فإن حادثة أصحاب الأخدود تبقى شاهداً على مآلات القوة حين تنفصل عن الحق والإنسان.

 

وهنا يكمن معنى نجران؛ فالعالم انتقل من زمن كانت فيه القوة تصنع المشهد، إلى زمن أصبحت فيه المعرفة قادرة على صناعة ما يراه الإنسان، وربما ما يعتقده وما يقرره. ولذلك فإن امتلاك المعرفة لم يعد امتلاكاً للمعلومة فقط، وإنما أصبح امتلاكاً لأداة من أدوات التأثير في الواقع. ومن يملك القدرة على صناعة الصورة، عليه أن يدرك أن مسؤوليته لا تتعلق بما يستطيع أن يصنعه فقط، وإنما بما يمكن أن تفعله الصورة في الإنسان والمجتمع والحضارة؛ فالمعرفة إذا حملت رسالة البناء صنعت استدامة الحاضرة، وإذا حملت رسالة الهيمنة أعادت إنتاج الأخدود بصورة جديدة.

 

ومن نجران، بما تحمله من ذاكرة المكان وسلطة المعرفة ومآلات القوة، يبقى الموقف العام واضحاً؛ فكما دأب الملك عبدالله الثاني يقول إن «أمن السعودية والخليج من أمن الأردن»، وهي عبارة تختصر وحدة الجغرافيا والمصير والمصلحة المشتركة في المشرق العربي، وتؤكد أن أمن الجزيرة العربية هو امتداد لأمن الأردن، كما أن أمن الأردن هو جزء من أمن الخليج والمشرق العربي.

 

وهذا ما أردت بيانه عبر هذا المقال الذي يستحضر التاريخ العربي بلغة مشاركة واحدة وإرث عربي عميق نتشارك فيه البتراء، حيث نبط بن إسماعيل عليه السلام، أول من كتب العربية واستنبط المياه الجوفية بعلوم الريماء، بحضارة أهل السيمياء في نجران، عبر منطوق تاريخي نابع من أرض الأديان، حيث تلتقي الجغرافيا بالمعرفة، ويلتقي الإنسان بالمكان، وتتوارث الحضارة أدواتها من جيل إلى جيل.

 

حمى الله نجران، وحمى السعودية، وحمى أرجاء المشرق العربي، وجعل المعرفة والقوة في خدمة الإنسان والبناء والسلام، فنحن في النهاية همنا واحد في المشرق العربي، تجمعنا الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك، وحضارتنا تعبر عنها جغرافيا المكان في وادي رم عبر خيمياء قارون، كما تستحضرها سيمياء نجران، عندما كان الذكاء الاصطناعي أبوابه مغايرة ومداخله نابعة من منطوق الكلمة وذبذبات الصوت التي تصدر عبرها الأوامر الكونية في زمن سلطة المعرفة.

 

ومن هنا يأتي الحسين بالضاد، فاللغة ليست وعاءً للمعرفة فقط، وإنما هي أحد مفاتيح إنتاجها وحفظها ونقلها. ولهذا جاء مشروع الضاد الذي دعا إليه الأمير الحسين، ببيان منطوق القرآن والعمل على صيانته، ليعيد للغة العربية مكانتها في زمن تتقدم فيه المعرفة التقنية والذكاء الاصطناعي، حيث يصبح الصوت والكلمة والمنطوق جزءاً من منظومة صناعة المعرفة الجديدة. وهي الفكرة التي تستعيد في وجداننا صورة دار الحكمة في بغداد المنصور، حين كانت العربية لغة العلم والترجمة والمعرفة، فتصبح العودة اليوم إلى الضاد عودة إلى سلطة المعرفة، ولكن بحلة حديثة تجمع بين أصالة اللغة وقدرة التقنية.

 

وهكذا تلتقي نجران والحسين بالضاد في معنى واحد؛ نجران تستحضر ذاكرة المكان وسلطة المعرفة ومآلات القوة، والحسين يستحضر الضاد بوصفها ذاكرة اللغة وأداة المعرفة، وبينهما يمتد إرث عربي عميق من البتراء إلى نجران، ومن بغداد إلى وادي رم، وصولاً إلى فضاءات الذكاء الاصطناعي، لنعود إلى بناء سلطة المعرفة من داخل ذاكرتنا العربية، لا باعتبارها ماضياً نرويه، وإنما باعتبارها مستقبلاً نصنعه