نور الدويري : الأردن في هندسة الشرق الأوسط الجديد
كتبت نور الدويري
لاشك ان القراءات السياسية العديدة اليوم تراهن على مصير الدول بجغرافيا المحاور أو بمراكز الثقل المالي والعسكري التقليدية، لاسيما اننا في إقليم يعيش اعتى عواصفه ويقف على مسافة من الصراعات الصفرية، ليقف الإقليم والعالم كله على منعطف حرج، وهنا تحديدا تعالت رهانات راهنت على الدور الأردني لصالح قوى إقليمية صاعدة أو أطراف انخرطت مباشرة في الصدام الميداني.
الا أن الوقائع أثبتت مجدداً أن عمان ليست مجرد نقطة جغرافية عازلة، بل هي عنصر الارتكاز الحتمي وضابط الإيقاع الذي لا يمكن هندسة أمن الشرق الأوسط دون المرور به، أو تجاوزه.
لقد برع الأردن في ممارسة ما يمكن تسميته بالبرمجة الذكية للصراعات؛ حيث نجح في تحويل التهديدات الوجودية المحيطة به إلى روافع لتمتين الاستقرار الداخلي وإعادة إنتاج دور الدولة كلاعب أساسي، فبدلاً من الانجرار إلى المحاور الضيقة أو دفع أثمان المغامرات العسكرية، تبنت الدولة استراتيجية عقلانية القوة والدبلوماسية الوقائية ليتجلى ذلك في الحسم الصارم لحماية الأجواء والسيادة الوطنية ضد أي اختراق، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة ومتوازنة تمنح القرار الأردني استقلالية نادرة.
هذه الخلاصة الاستراتيجية تُدار اليوم بتكامل بنيوي دقيق بين عواصم القرار العالمي والجبهة الداخلية إذ تمثلت في قدرة إدارة الملك عبد الله الثاني الرافعة السياسية العليا ومهندس الثقة الدولية للدولة وبما يمتلك الملك من مصداقية تاريخية متراكمة تتيح له تفكيك شيفرة التحولات الدولية، وإعادة تركيز الاهتمام العالمي نحو الأردن كلما حاولت بعض الأطراف تهميشه وعبر خطوط حمر واضحة تتعلق بالأمن القومي وحماية المقدسات، يفرض الملك معادلة مفادها أن استقرار الأردن هو الضمانة الوحيدة لمنع تحول النيران الإقليمية إلى حريق شامل.
وعلى التوازي مع هذه المظلة السياسية، تأتي تحركات سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني كترجمة تنفيذية لمأسسة المنعة الداخلية وتأمين المستقبل، حيث يبدو أن ولي العهد يدرك أن قوة الدبلوماسية الخارجية تبدأ من صلابة الجبهة المحلية؛ لذا تركز جهوده الميدانية على تحصين قطاعات الأمن الغذائي، وسلاسل التوريد، ومشاريع الطاقة والمياه، إلى جانب قيادة ملفات الرقمنة وتمكين الشباب والوقوف مع القوات المسلحة، هذه التحركات تضمن بناء اقتصاد مرن قادر على امتصاص الصدمات مما يمنع أي ضغط خارجي من ابتزاز الأردن سياسياً.
إن القيمة الوظيفية الحتمية للأردن في الإقليم لا تنبع من حجم الثروات أو الترسانات، بل من قدرته الفريدة على إدارة الخلافات، والظهور كشريك موثوق ومطفأة حريق في منطقة مشتعلة. لقد أثبتت الأحداث أن محاولات تجاوز الأردن هي مجرد مراهنات خاسرة، وأن بوصلة الاستقرار في الشرق الأوسط ستظل دائماً معلقة في عمان.



















