د. عمّار محمد الرجوب يكتب : “لا تحمل مفاتيح الأمس إلى أبواب الغد”

ثمة معارك يخوضها الإنسان طويلا حتى ينسى لماذا بدأها، وأبواب يطرقها بإصرار حتى يظن أن الحياة كلها تقف خلفها، وأحلام يتشبث بها إلى الحد الذي يجعله عاجزا عن رؤية الجمال الذي ينمو بعيدا عنها. ثم تأتي لحظة صامتة، لا تشبه الانتصار ولا الهزيمة، يكتشف فيها أن الحياة لم تكن تطلب منه أن يقاتل إلى الأبد، بل أن يتعلم متى يقاتل، ومتى يترك سلاحه، ومتى يلتفت إلى الطريق الذي ظل مفتوحا خلفه طوال الوقت.
نحن لا نتعب دائما لأن الطريق طويل، بل لأننا نحمل معنا ما انتهى دوره. نحمل خيبات قديمة إلى علاقات جديدة، ونحاكم فرص اليوم بأحكام الأمس، ونخشى تكرار الألم حتى نحرم أنفسنا من تجارب قد تمنحنا أجمل ما في العمر. وهكذا يتحول الحذر الذي كان يفترض أن يحمينا إلى جدار يعزلنا عن الحياة، ونصبح أسرى لما حدث لنا، بدل أن نكون أصحاب القرار فيما يمكن أن يحدث بعده.
ولعل واحدة من أعمق قواعد الحياة أن التجربة ينبغي أن تعلمنا كيف نعيش، لا أن تمنعنا من الحياة. فليس من الحكمة أن نثق بالجميع، لكن ليس من الحكمة أيضا أن نعاقب القادمين بأخطاء الراحلين. وليس من النضج أن ننسى كل ما آلمنا، بل أن نتذكره دون أن نسمح له بالتحكم في اختياراتنا. إن الوعي الحقيقي لا يجعل القلب مغلقا، بل يجعله أكثر بصيرة فيمن يمنحه مفاتيحه، وأكثر اتزانا حين يختار، وأكثر سلاما حين يقرر أن يمضي.
انظر إلى الطبيعة، كيف تتخلى الشجرة عن أوراقها دون أن تعلن الحداد على أغصانها، وكيف تترك الأرض للبذرة فرصة أن تشق طريقها في الظلام، وكيف يستعد الفجر للظهور في اللحظة التي يبدو فيها الليل أكثر رسوخا. لا شيء في هذا الكون ينمو دون تحول، ولا شيء يتجدد وهو مصر على البقاء في صورته القديمة. حتى النهر لا يصل إلى البحر متمسكا بكل قطرة مرت في مجراه، بل يمضي، يحمل أثر رحلته ويترك خلفه ما لم يعد يحتاج إليه.
وليس معنى ذلك أن نستهين بما فقدنا، أو أن نتظاهر بأن الوداع سهل، أو أن نطالب قلوبنا بالنسيان قبل أن تتعافى. بعض الأشياء تستحق الحزن، وبعض الغيابات تحتاج إلى وقت، وبعض الخيبات لا نستوعب معناها إلا بعد مسافة طويلة. لكن ثمة فرقا بين أن تمنح الألم حقه، وأن تمنحه حياتك كلها. فالحزن ضيف ينبغي أن نستمع إليه، لا حاكما نصدر له مفاتيح أيامنا، والذاكرة نافذة نتعلم منها، لا سجنا نغلقه على مستقبلنا.
وما أجمل الإنسان حين يبلغ من النضج مرحلة يستطيع فيها أن يشكر الدرس دون أن يتمنى عودة الألم، وأن يتذكر شخصا دون أن يظل أسير غيابه، وأن ينظر إلى فرصة لم تكتمل دون أن يشك في قدرته على النجاح. عندها لا يعود التغيير تهديدا لهويته، بل يصبح مساحة يكتشف فيها جوانب لم يعرفها من نفسه. يدرك أن بعض النهايات لا تنتقص منه، وأن تغيير الاتجاه ليس اعترافا بالهزيمة، وأن الاعتراف بالخطأ شجاعة، والبدء من جديد نوع من احترام الحياة.
واقول انا: أريد أن أمضي خفيفا، لا لأن الحياة لم تضع في طريقي ما يستحق أن أحمله، بل لأنني تعلمت أن لكل شيء وزنا، وأن الحكمة ليست في جمع الأثقال، بل في معرفة ما يستحق أن يبقى معنا. سأحمل من الأمس دروسه لا قيوده، وذكرياته لا خوفه، وامتنانا لكل ما علمني كيف أصبح أكثر وعيا ورحمة واتزانا.
لن أسمح لباب أغلق أن يقنعني بأن العالم بلا أبواب، ولن أجعل تجربة عابرة تسرق مني دهشة اللقاءات القادمة، ولن أؤجل فرحتي حتى تصبح الحياة كاملة، فالكمال الذي ننتظره قد لا يأتي، بينما تمر أمامنا نعم صغيرة تستحق أن نراها ونحمد الله عليها. سأفرح بالخطوة التي أنجزتها، وأحترم الخطوة التي ما زلت أتعلمها، وأمنح نفسي حق التعثر دون أن أتخلى عن طموحي.
لقد أدركت أن السلام ليس أن تخلو الحياة من أسباب القلق، بل أن يصبح في داخلنا ما هو أعمق من القلق. وأن القوة ليست أن نربح كل معركة، بل أن نعرف أي المعارك تستحق أعمارنا. وأن النجاح ليس أن نصل إلى كل ما أردناه، بل أن نصل دون أن نفقد قيمنا، وأن نكبر دون أن نقسو، وأن ننجح دون أن ننسى من وقفوا معنا حين كانت البدايات صغيرة.
فكم من إنسان أضاع حاضره وهو يحاول استعادة ماض لن يعود، وكم من آخر استعاد حياته يوم توقف عن مطالبة الأمس بأن يتغير. وبين الاثنين مسافة من الوعي، قد تختصر سنوات من التعب، وتفتح في الروح نوافذ لم تكن تعرف أنها موجودة.
لهذا، إذا وجدت نفسك عند نهاية طريق، فلا تجعل حزنك يمنعك من النظر حولك. ربما لم تفقد الطريق، بل فقدت الاتجاه الذي اعتدت عليه. وربما لم تتأخر الحياة عنك، بل حان الوقت لتتوقف عن السير نحو ما لم يعد يشبهك. وربما كانت الخطوة التي تخشاها اليوم هي أول خطوة نحو نسخة منك أكثر نضجا وحرية وطمأنينة.
لا تحمل مفاتيح الأمس إلى أبواب الغد، فلكل مرحلة أقفالها، ولكل بداية لغتها، ولكل روح موعد تكتشف فيه أن ما ظنته نهاية العالم لم يكن إلا نهاية صورة قديمة عنه.
امض، لا لأنك نسيت ما حدث، بل لأنك أصبحت أكبر من أن تختصر حياتك فيما حدث. وافتح قلبك لما لم يحدث بعد، ففي العمر متسع لفرح لم تعرفه، ونجاح لم تجربه، وأثر جميل لم تصنعه بعد.
فالحياة لا تطلب منك أن تعود الشخص الذي كنت قبل العاصفة، بل أن تصبح الإنسان الذي استطاع أن يرى الضوء بعدها، وأن يشكر النور دون أن ينكر عتمته، وأن يواصل المسير بقلب يعرف قيمة ما مضى، لكنه لا يخاف مما يأتي.
فلا تجعل الأمس سجنا تحرسه بيديك، ثم تقف متحسرا أمام أبواب الغد. حرر يديك، وارفع رأسك، وامض إلى الحياة، فما زال في روحك متسع للنور، وفي قلبك قدرة على الحب، وفي خطوتك القادمة احتمال قد يغير الحكاية كلها.
بقلم 🖋️ د. عمّار محمد الرجوب


















