+
أأ
-

غسان الشواهين : ظاهرة القائم بأعمال او بالوكاله في المؤسسات الحكومية الأردنية.. مزايا ومساوئ ومخاطر التعميم

{title}
بلكي الإخباري

 

بقلم غسان الشواهين 

تعيش المؤسسات الحكومية في الأردن، من وزارات وأمانة عمان الكبرى وبلديات وهيئات مستقلة وشركات مملوكة للحكومة، تحديات إدارية ضخمة تتعلق بفعالية القيادة واستدامة الكفاءات وضمان انتظام سير العمل.

ومن الظواهر البارزة التي باتت تثير مخاوف المختصين في هيئة الخدمة والإدارة العامة وديوان الخدمة المدنية سابقاً هي ظاهرة القائم بأعمال او بالوكالة والمقصود بها إسناد المناصب القيادية والإشرافية الحيوية إلى مسؤولين لفترات مؤقتة دون تثبيت رسمي وفق أحكام نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام رقم 33 لسنة 2024

المفهوم في الإدارة الأردنية:

يقصد بنظام القائم بأعمال في العرف الإداري الأردني تكليف موظف قائم بوظيفة قيادية أو إشرافية "مدير مديرية، أمين عام، مدير عام، رئيس قسم" بشكل مؤقت لسد الفراغ الناتج عن شغور المنصب، ريثما يتم السير بإجراءات التعيين حسب الأصول.

وقد تطول فترة القائم بالأعمال لشهور وربما لسنوات، وغالباً ما تتكرر بتجديد كتاب التكليف أو استبداله بآخر، دون المرور بالإجراءات النظامية التي نص عليها النظام من إعلان عبر الإعلانات المفتوحة ونظام الاستقطاب الإلكتروني ومفاضلات تنافسية واضحة عبر لجان الاختيار.

بل ظهرت مسميات جديدة مثل تعيين قائم بأعمال كـ "مسخن للكرسي" حتى يتم تعيين مرشح دائم، وأيضاً تعيين "مسير للأعمال" وصلاحياته أقل وقدرته على التنفيذ أضعف والفترة الزمنية أقصر.

 الجذور

تزامن اتساع استخدام هذا النظام مع بطء إجراءات التعيين للوظائف القيادية العليا، وغياب الشفافية أحياناً، ورغبة بعض الجهات في تجنب المساءلة أو الانتقادات المرتبطة بتعيين قيادات جديدة دون توافق كافٍ.

لكن تحول الأمر تدريجياً من كونه حلاً استثنائياً في ظروف طارئة "استقالة، إحالة على التقاعد، نقل، وفاة" إلى قاعدة شبه مستقرة لترتيبات القيادة في بعض الوزارات والمؤسسات، حتى صارت بعض المناصب الكبرى تدار لسنوات بصيغة "القائم بالأعمال الدائم"، وهو ما يعكس مشكلة هيكلية لا تقتصر على وزارة بعينها.

 المزايا الظاهرية:

سد فجوة الفراغ الإداري الفوري، مع إمكانية اختبار قدرات المرشح الفعلي بشكل واقعي قبل اعتماده، ومنح الفرصة للإدارة العليا للدراسة المتأنية لاختيار الأفضل. إلا أن هذه المزايا محدودة الأثر وتأخذ طابع الترقيع أكثر من كونها حلولاً استراتيجية ضمن خطة الإحلال والتعاقب الوظيفي.

الأخطار الحقيقية لتعميمها في الجهاز الحكومي الأردني

 ضعف صناعة القرار وغياب المبادرة “اليد المرتعشة”

القائم بالأعمال يتخوف من اتخاذ قرارات استراتيجية جريئة خشية الإبعاد أو المساءلة بعد انتهاء التكليف، فيميل إلى سياسات السلامة والتحفظ، ما يقلص قدرة المؤسسة على الابتكار ويؤخر حسم الملفات الكبرى المرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي والإداري.

 تآكل الطموح المؤسسي وغياب الرؤية طويلة الأمد

المؤسسات التي تدار بواسطة قائمين بالأعمال تشكو من غياب الخطط بعيدة المدى، فالقيادة المؤقتة لا تدفعها الحماسة لوضع رؤى استراتيجية إذ تعلم أن حضورها عابر.

تكريس الجمود والبيروقراطية

استمرار التعيين بهذه الصفة يشيع أجواء من الاضطراب التنظيمي، الموظفون لا يعرفون إلى أي مدى تمتد صلاحيات القائد المؤقت، ما يعفيهم أحياناً من الالتزام أو يدفعهم للاكتفاء بالحد الأدنى من الأداء.

 الهروب من المنافسة والتعيين الشفاف:

توظيف هذا النظام كقاعدة يفتح الباب أمام تهميش الكفاءات الصاعدة والهروب من آليات التعيين النزيهة التي تعتمد على الجدارة والكفاءة وتكافؤ الفرص التي أكد عليها الدستور الأردني ونظام الموارد البشرية، فيتحول إلى أداة لخدمة مصالح ضيقة

 التأثير السلبي على تطوير الكوادر:

هيمنة هذا النمط تصيب الكوادر الشابة في القطاع العام بالإحباط وتحد من طموحاتهم الوظيفية، حيث يفقدون الثقة في وجود

 مسار وظيفي واضح  للترقي، ويقتنعون بأن العلاقات هي المعيار

 مشكلات قانونية ومعوقات للرقابة:

استمرار شغل المناصب القيادية بنظام القائم بالأعمال يعني الالتفاف حول متطلبات نظام إدارة الموارد البشرية، ويعقد آليات الرقابة والمحاسبة لدى ديوان المحاسبة وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد، إذ قد ينفي القائم بالأعمال مسؤوليته عن قرارات مصيرية بحجة صفة المؤقت.

يجب أن يكون نظام "القائم بالأعمال" هو الاستثناء لا القاعدة، من خلال وضع إطار زمني صارم لفترة التكليف لا تتعدى بضعة أشهر كما نصت التعليمات، مع إلزام الجهات بسرعة تعيين مسؤول دائم عبر منافسات شفافة تديرها هيئة الخدمة والإدارة العامة، وتفعيل مبادئ الحوكمة الرشيدة ومنح أولوية الاستحقاق المهني، وتعزيز ثقافة المساءلة بحيث يتحمل القائم بالأعمال المسؤولية الكاملة.

فالمؤسسات الحكومية الأردنية لا تنهض إلا بنموذج إداري يقوم على الشفافية والكفاءة والاستحقاق، ويجعل الرهان على "القائم بالأعمال" حلاً مؤقتاً واستثنائياً فقط حين تفرضه الضرورة، ويُغلق الملف سريعاً بتثبيت القيادات المستحقة.

فكلما تحول "المؤقت" إلى قاعدة، ضعف النظام وزادت احتمالات التعثر، والمؤسسة القوية والحوكمة الرشيدة هما الضامن للخروج السريع من الظرف المؤقت.