رحلة البحث عن القوت في تونس.. كيف تضاعفت تكاليف المعيشة واثقلت كاهل العائلات؟

تجد السيدة عائدة نفسها في رحلة يومية منهكة بين اسواق مدينة بنزرت بحثا عن اسعار معقولة تتناسب مع ميزانية اسرتها المحدودة. وتضطر هذه الام لطفلين الى التنقل لمسافات طويلة بعيدا عن مقر سكنها في منوبة املا في العثور على خضروات ومواد غذائية بأسعار اقل مما هي عليه في محيطها المباشر. وتؤكد ان نمط حياتها تغير جذريا حيث باتت تقتصد في شراء اللحوم والاسماك التي تحولت الى سلع نادرة لا تظهر على مائدتها الا في مناسبات متباعدة.
واوضحت عائدة ان الفارق في القدرة الشرائية بات شاسعا اذ كان مبلغ صغير يكفي لتأمين حاجيات الاسبوع بالكامل في الماضي. واضافت ان فاتورة التسوق اليومية قفزت بشكل جنوني لتتراوح بين 40 و50 دينارا وهو ما يمثل عبئا ثقيلا لا يتناسب مع دخلها المحدود. وبينت ان هذه المعاناة ليست حالة فردية بل هي واقع يعيشه اغلب التونسيين في ظل موجة غلاء طالت كافة السلع الاساسية.
وكشفت بيانات المعهد الوطني للاحصاء عن فجوة كبيرة بين ارتفاع الاسعار ونمو الاجور خلال السنوات الاخيرة. واظهرت الارقام ان مؤشر اسعار الغذاء سجل قفزة قياسية تجاوزت 64 بالمئة بينما لم يواكب الاجر الادنى المضمون هذا التصاعد الكبير. واكدت التقارير ان التضخم يواصل التهام القوة الشرائية للمواطن مما يجعل من الصعب على العائلات موازنة نفقاتها الشهرية.
تآكل الدخل امام غلاء الاسعار
وتشير الاحصائيات الى ان المؤشر العام للاسعار شهد صعودا حادا في ظل استمرار التحديات الاقتصادية المحلية والدولية. واضافت المعطيات ان الاجر الادنى للساعة لم يشهد الا زيادات طفيفة لا تكاد تذكر امام سرعة ارتفاع تكاليف المعيشة. وشددت التقارير على ان هذا التفاوت تسبب في تقلص الطبقة المتوسطة وزيادة الضغوط على الفئات الهشة التي تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع تقلبات السوق.
وبينت ارقام شهر سبتمبر ان نسبة التضخم لا تزال تسجل مستويات مرتفعة خاصة في المواد الغذائية والملابس والتعليم. واكد الخبراء ان تباطؤ وتيرة التضخم لا يعني تراجع الاسعار بل يعني ان الارتفاع مستمر ولكن بوتيرة اقل سرعة. واضافوا ان هذا الوضع يكرس حالة من عدم الاستقرار المادي لدى الاسر التي باتت تعيد ترتيب اولوياتها بشكل قسري.
وكشف مواطنون في السوق المركزية بأريانة عن استيائهم من تضاعف كلفة القفة اليومية بشكل يصعب معه توفير المتطلبات الاساسية. واوضح عبد الحفيظ المقيم في تونس منذ عقود ان الغلاء بات ظاهرة عالمية القت بظلالها الثقيلة على السوق المحلية. واكد منصف حداد ان اسرته اضطرت لتقليص مشترياتها والاكتفاء بالضروريات فقط لمواجهة الضغوط المالية الخانقة.
ضغط اضافي على السكن والنقل
وبينت المؤشرات الاقتصادية ان الغلاء لم يتوقف عند حدود الغذاء بل شمل قطاعات حيوية مثل السكن والماء والكهرباء والمحروقات. واضافت البيانات ان اسعار النقل سجلت زيادات محسوسة زادت من معاناة الموظفين والعمال في تنقلاتهم اليومية. وشدد المراقبون على ان تراكم هذه الزيادات في مختلف القطاعات جعل من الصعب على المواطن العادي ادخار اي جزء من دخله.
واكد لطفي الرياحي رئيس منظمة ارشاد المستهلك ان السنوات الاخيرة شهدت تدهورا كبيرا في القدرة الشرائية بسبب التوترات الدولية ومواسم الجفاف التي ضربت الانتاج الوطني. واضاف ان تداعيات هذه الازمات انعكست مباشرة على اسعار المواد الاولية والادوية. وبين ان المواطن اصبح يدفع ضريبة غياب التوازن في سلاسل التوريد والإنتاج.
وكشفت وزارة التجارة عن خططها لمراقبة مسالك التوزيع والتحكم في الاسعار من خلال تكثيف الرقابة الميدانية. واضاف الوزير سمير عبيد ان الدولة تسعى لاستباق الازمات عبر المخزونات الاستراتيجية وتعديل السوق عند الحاجة. واكدت الوزارة ان التقلبات المناخية هي احد الاسباب الرئيسية التي تؤثر على مستويات التزويد والاسعار في الوقت الراهن.
تحديات المواد المدعمة
واوضحت التقارير ان منظومة الدعم تواجه ضغوطا كبيرة في ظل تزايد الطلب وصعوبات التوفر في بعض الاحيان. واضافت ان مواد مثل الزيت النباتي والسكر والفرينة تشهد نقصا دوريا يثير قلق المستهلكين. وبينت الوزارة ان الدولة ملتزمة بتوفير هذه المواد بأسعار مدعمة نافية وجود اي زيادات رسمية في اسعارها.
واكدت السلطات ضخ كميات كبيرة من السكر والارز لتغطية احتياجات السوق وضمان توفرها للعائلات. واضافت ان ميزانية الدعم المرصودة للعام الجديد تؤكد حرص الدولة على حماية الفئات الضعيفة. وبينت ان التحدي الحقيقي يكمن في مسالك التوزيع التي تضمن وصول هذه المواد الى مستحقيها دون احتكار او تلاعب.
واظهر الواقع ان الفجوة بين الكميات المعلنة وما يصل فعليا الى تجار التفصيل تظل نقطة استفهام كبيرة لدى المواطنين. واضافت التقديرات ان استمرار شكاوى النقص يفرض ضرورة اعادة النظر في آليات التوزيع. وشدد الخبراء على ان حماية القوة الشرائية تتطلب تضافر الجهود بين الرقابة الحكومية ووعي المستهلك لضمان استقرار السوق.


















