+
أأ
-

مستقبل الاقتصاد العالمي في ظل اضطراب اسواق الدين وتداعياتها على المنطقة العربية

{title}
بلكي الإخباري

تشهد اسواق السندات الحكومية العالمية حالة من التذبذب غير المسبوق مع صعود العوائد طويلة الاجل الى مستويات قياسية لم تلامسها الاقتصادات الكبرى منذ عقود طويلة. وتتجاوز هذه التحركات النطاق الضيق للمستثمرين لتلقي بظلالها الثقيلة على تكاليف اقتراض الحكومات والشركات والافراد على حد سواء. واظهرت البيانات الاخيرة ان عائد سندات الخزانة الامريكية لاجل 30 عاما تجاوز حاجز 5.34 بالمئة وهو اعلى مستوى منذ عام 2007 بينما سجلت السندات لاجل 10 سنوات ارقاما قياسية جديدة.

واضافت هذه الموجة من الارتفاعات توترات اضافية في الاسواق الاوروبية والاسيوية حيث تخطت عوائد السندات الفرنسية حاجز 4 بالمئة لاول مرة منذ 17 عاما. وبينت المؤشرات في المملكة المتحدة ان تكاليف الاقتراض اقتربت من ذروتها التاريخية وسط مخاوف من استمرار الضغوط على الموازنات العامة. واكد خبراء ان هذه التقلبات تطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الدول العربية على التعامل مع هذه المرحلة المالية المعقدة خاصة تلك التي تعتمد بشكل اساسي على التمويل الخارجي.

واوضح محللون ان السبب الرئيسي وراء هذا الاضطراب يعود الى تزايد المخاوف بشأن اوضاع المالية العامة في الدول الكبرى وتضخم مستويات العجز. واشار جوناس غولترمان كبير الاقتصاديين في كابيتال ايكونوميكس الى ان المستثمرين بدؤوا يفقدون صبرهم تجاه السياسات المالية التي تستنزف الموارد دون تقديم اصلاحات هيكلية ملموسة. وشدد خبراء على ان اسواق السندات لا تعمل بمعزل عن التوترات السياسية والجغرافيا الاقتصادية التي تشهدها المنطقة.

منافسة شرسة على السيولة العالمية

وكشفت التحليلات ان الضغوط على اسواق الدين لا تأتي من الحكومات وحدها بل تساهم شركات التكنولوجيا العملاقة في زيادة حدة المنافسة. وتبرز شركات الذكاء الاصطناعي كمقترض ضخم يبحث عن تمويل بنيتها التحتية وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع الحكومات على السيولة المتاحة في الاسواق الدولية. وادى هذا التزاحم التمويلي الى تراجع الطلب النسبي على السندات الحكومية مما دفع اسعارها للانخفاض وعوائدها للارتفاع.

واضاف نايل غرين الرئيس التنفيذي لمجموعة دي فير ان وجود مقترضين كبار في السوق الواحدة يؤدي بالضرورة الى رفع سعر الحصول على الاموال. وبينت التقارير ان الشركات اصبحت تضحي بجزء من هوامش ارباحها او تمرر التكاليف الى المستهلكين لمواجهة ارتفاع تكلفة الاقتراض. واكد مراقبون ان هذه المنافسة تزيد من تعقيد المشهد المالي العالمي وتجعل الحصول على التمويل اكثر تكلفة للجميع.

وكشفت البيانات ان عوائد السندات المرتفعة لم تعد حبيسة اروقة البورصات بل انتقلت اثارها الى الاقتصاد الحقيقي بشكل مباشر. وتنعكس هذه العوائد على اسعار الفائدة التي يدفعها الافراد على القروض العقارية وقروض السيارات. واظهرت الدراسات ان الارتفاع الحاد في تكاليف التمويل يدفع الشركات الى تأجيل خططها الاستثمارية مما يؤثر سلبا على معدلات النمو الاقتصادي العالمي.

تداعيات الازمة على الاقتصادات العربية

واكد خبراء اقتصاديون ان الدول العربية ليست بمنأى عن هذه الرياح المالية العاتية. وبينت التحليلات ان الدول الاكثر اعتمادا على الاقتراض الخارجي تواجه مخاطر حقيقية تتمثل في ارتفاع فاتورة خدمة الدين مما يقلص المساحة المالية المتاحة للانفاق الاجتماعي والخدمي. واضاف هؤلاء ان الجهاز المصرفي في هذه الدول قد يضطر لرفع اسعار الفائدة المحلية مما يضع القطاع الخاص تحت ضغوط اضافية.

وتابع المحللون ان الصورة تبدو مختلفة بالنسبة للدول صاحبة الفوائض المالية مثل دول الخليج والعراق والجزائر. واوضحوا ان هذه الدول تمتلك صناديق سيادية واصولا خارجية يمكن ان تستفيد من ارتفاع العوائد العالمية على ادوات الدخل الثابت. واكدوا ان هذه الاستثمارات قد توفر ايرادات اضافية تعوض جزءا من الضغوط الناتجة عن تذبذب اسعار الطاقة في الاسواق الدولية.

وكشفت التقارير ان المعادلة المالية العربية اصبحت اكثر تعقيدا بسبب تداخل عوامل الجغرافيا السياسية مع التحديات الاقتصادية. واشار خبراء الى ان تراجع كميات التصدير النفطي في بعض الدول يضغط على الموارد التقليدية بينما توفر السندات عوائد افضل للمحافظ الاستثمارية. وخلصوا الى ان المرحلة القادمة تتطلب مرونة عالية في ادارة الموازنات العامة للتعامل مع هذه المتغيرات المتسارعة.