+
أأ
-

د. حازم قشوع : الحسين ، ستون يوما وأربع تحولات

{title}
بلكي الإخباري

 

د. حازم قشوع

تتداخل أربعة ملفات سياسية في مشهد إقليمي ودولي آخذ بالتغير، تتمثل في الانتخابات النصفية الأمريكية، والمراوحة السياسية الإسرائيلية، ومستقبل المساعدات الأمريكية لتل أبيب، والحرب الإيرانية. وهي ملفات لا تتحرك بصورة مستقلة، بل تتقاطع في إعادة تشكيل منظومة الضوابط والموازين السياسية، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات والتحالفات وأدوات إدارة الصراع، وهو ما يمكن بيانه عبر القضايا التالية:

القضية الأولى تتعلق بالانتخابات النصفية الأمريكية، وما أفرزته من تقدم ديمقراطي كبير أعاد رسم ملامح التوازن السياسي داخل الكونجرس، وبروز 《الزنار الأزرق》 الذي بدأ 《يطوق البيت الأبيض》، بما يفرض على الإدارة الجمهورية إعادة ضبط موازينها السياسية والتشريعية. وهذا التحول لن يقتصر أثره على الداخل الأمريكي، بل سيمتد إلى السياسة الخارجية وبرامج الإدارة الأمريكية، خصوصا في ملفات الشرق الأوسط وأوكرانيا وإيران. وتكتسب هذه النتائج أهميتها العملية مع بدء ولاية الكونجرس الجديد في الثالث من يناير المقبل، حيث تنتقل الموازين الانتخابية إلى موازين تشريعية ورقابية، الأمر الذي يجعل من الكابيتول مركزا لإعادة ترسيم موازين بيت القرار الأمريكي، بما يفرض على الإدارة اتباع مقاربة أكثر توازنا في إدارة الملفات الداخلية والخارجية.

أما القضية الثانية فتتصل بحالة المراوحة السياسية الإسرائيلية، وما يواجهه بنيامين نتنياهو من تحديات في الحفاظ على موقعه السياسي وإعادة تشكيل ائتلافه الحكومي. فالمشهد الذي أعقب الانتخابات لم يحسم مسألة تشكيل الحكومة، في ظل تباين موازين الكتل البرلمانية، وبقاء معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت أمام اختبار القدرة على تحويل حضوره الانتخابي إلى صيغة سياسية قابلة للحكم. وفي المقابل، يسعى نتنياهو إلى تفادي انتقال السلطة والاستفادة من التباينات داخل معسكر خصومه، بما يبقي احتمالات إعادة الانتخابات قائمة إذا تعثرت مفاوضات تشكيل الحكومة. وهذا ما يجعل إسرائيل أمام أزمة سياسية تتجاوز مجرد التنافس الحزبي، لتطال طبيعة القرار السياسي واتجاهاته الإقليمية، في ظل تراجع قدرة الائتلاف السابق على الاحتفاظ بأغلبيته البرلمانية.

أما القضية الثالثة فتتعلق بالمساعدات الأمريكية لإسرائيل، بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب التوصل إلى تفاهم مع نتنياهو يقضي بوقف المساعدات السنوية التي تقدر بنحو أربعة مليارات دولار مع نهاية العام الحالي، مع استمرار التعاون في مجال بيع السلاح وتوفير الاحتياجات العسكرية وفق ترتيبات جديدة. وهذا الإعلان يحمل دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز قيمته المالية، خصوصا أنه يأتي في سياق مراجعة طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية وتزايد الجدل الداخلي الأمريكي حول كلفة الدعم وحدوده. غير أن ترجمة هذا الإعلان إلى التزام نهائي تبقى مرتبطة بالتفاصيل التنفيذية والاتفاقات القائمة ودور الكونجرس.

ومن على هذه الأرضية، فإن انتهاء المساعدات بصيغتها المعلنة قد يشكل مؤشرا على انتقال العلاقة إلى نموذج مختلف من التعاون العسكري والسياسي، وهو لا يعني بالضرورة انتهاء الدعم الأمريكي أو تبدل التحالف بصورة كاملة، لكنه يشير إلى إعادة النظر في طبيعة الدعم وحدوده، وإلى وجود رغبة أمريكية في وضع ضوابط سياسية على مسار الحرب التي يقودها نتنياهو في المنطقة، وما رافقها من تعثر برنامج السلام بالقوة.

أما القضية الرابعة فتتعلق بالحرب الإيرانية وما تفرضه من استحقاقات على مختلف الأطراف، في ظل استمرار التوتر واحتمالات تجدد المواجهة، وما يرافق ذلك من حسابات تتصل بأمن المنطقة والطاقة والممرات البحرية وترتيبات النفوذ. وتبدو الأيام الستون المقبلة نافذة زمنية مهمة لبلورة اتجاهات هذا الملف، سواء عبر تثبيت مسار التهدئة والتفاوض أو العودة إلى التصعيد، قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، بالتزامن مع استهلال الكونجرس الأمريكي دورته الجديدة مع بداية العام القادم.

إن هذه القضايا الأربع على اختلاف ساحاتها تلتقي عند نقطة واحدة وهي أن المنطقة تقف أمام انتقال سياسي واستراتيجي تتراجع فيه بعض أدوات المرحلة السابقة وتتقدم فيه أدوات أخرى. فالانتخابات الأمريكية تعيد رسم موازين القرار في واشنطن، والمشهد الإسرائيلي يختبر قدرة النظام السياسي على إنتاج حكومة مستقرة، وملف المساعدات يفتح باب مراجعة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، فيما تبقى إيران العامل الأكثر تأثيرا في تحديد مسار الأمن الإقليمي.

وعليه، فإن الستين يوما المقبلة لن تكون مجرد فترة انتظار، بل مرحلة اختبار للاتجاهات السياسية الجديدة، وما إذا كانت ستقود إلى تسويات تعيد ترتيب المنطقة، أم إلى جولة أخرى من الصراع قبل استقرار معادلة إقليمية مختلفة.

وفي هذا السياق، فإن الأردن وهو يتابع الانتخابات الأمريكية ويحترم مجرياتها، لما تشكله من نموذج متقدم في العمل الديمقراطي وتداول الموازين السياسية، يقف عند بعض الأصوات التي نادت بتعميم منهجية وقف المساعدات الأمريكية لتشمل مصر وبعض دول المنطقة، ليؤكد ضرورة احترام أدوار الشراكة التي تعمل باتجاهين لا باتجاه واحد، باعتبارها علاقة مصالح متبادلة تقوم على التكامل والتوافق الدولي، وليس على منطق المساعدات وحده.

ذلك أن إسرائيل لم تقتصر استفادتها من الدعم الأمريكي على التمويل العسكري، بل امتدت إلى نقل التكنولوجيا وبناء المصانع والمنشآت الأمنية والعسكرية، الأمر الذي ساعدها على الانتقال من دولة مستهلكة للسلاح إلى دولة منتجة ومطورة لمنظوماته، عبر توطين جانب من التكنولوجيا الأمريكية وتطويرها. وهذه التجربة تستحق أن تدرج ضمن مراجعة الشراكات الاستراتيجية الأمريكية مع دول المنطقة، بحيث لا تبقى العلاقة محصورة في تقديم المساعدات، وإنما تتجه إلى بناء القدرات الإنتاجية ونقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا.

وهذا ما ينبغي أن يكون حاضرا في الخطة الخمسية الأردنية المقبلة، باعتبار الأردن مركزا للشراكة الاستراتيجية في المنطقة، من خلال بناء منظومة صناعية ومعرفية متممة في مجالات الهندسة المعرفية وتطبيقاتها الأمنية والمدنية والتقنية، بما يتيح تطوير الصناعات الوطنية ورفع قدرتها على الإنتاج والتصدير، ويحول الشراكة من إطار الدعم إلى إطار الاستثمار في القدرات.

وهو مدار اهتمام ولي العهد الحسين بن عبدالله وبرنامج عمله في توطين نماذج صناعات الهندسة المعرفية، بما يجعل الأردن قادرا على استثمار موقعه الاستراتيجي وعلاقاته الدولية في بناء قاعدة إنتاجية متقدمة، تواكب التحولات العالمية وتوفر فرصا جديدة للاقتصاد الوطني.

ففي الوقت الذي تعاد فيه هندسة المساعدات والتحالفات، ينبغي للأردن أن يعمل على هندسة الشراكات والإنتاج، حتى

لا يكون مجرد متلق لتأثير التحولات، بل شريكا في صياغة نتائجها، وهذا هو جوهر التحول الذي ينبغي أن تستثمر فيه الستون يوما المقبلة عبر برنامج عمل ينتظر ان يقوده الحسين ولي العهد