+
أأ
-

الشيخ عودة حامد الأصفر :- نبذة عن موضوع الجلوة العشائرية من كتابي العرف العشائري في الأردن. الجلوة العشائرية بين الشريعة والأعراف العشائرية في الأردن

{title}
بلكي الإخباري

ليس كل ما جرى عليه العرف يُنسب إلى الشريعة، وليس كل ما استقر عليه العرف العشائري باطلًا لمجرد أنه عرف, وإنما الميزان هو الحق والعدل، ومقاصد الشريعة، وحفظ الدماء والأعراض والأموال، وعدم تحميل الإنسان تبعة جرم لم يرتكبه.

تُعدّ الجلوة العشائرية من أكثر المسائل حضورًا في منظومة الأعراف العشائرية الأردنية، وأكثرها إثارةً للنقاش في زماننا، لأنها تقف عند منطقة حساسة تتقاطع فيها اعتبارات متعددة: حقن الدماء، وحماية المجتمع، ومنع الثأر، وحفظ الأمن، من جهة، وحقوق الأفراد والأسر، وحرمة مساكنهم وأموالهم ومصالحهم، من جهة أخرى.

ومن هنا فإن الحديث عن الجلوة لا ينبغي أن يكون حديثًا انفعاليًا مؤيدًا لها على إطلاقها، ولا رافضًا لها على إطلاقها، وإنما ينبغي أن نعود إلى أصل المسألة، فنبحث: هل الجلوة حكم شرعي؟ أم عرف اجتماعي؟ وإذا كانت عرفًا، فمتى يكون العرف معتبرًا، ومتى يتحول إلى ممارسة لا يقرها الشرع ولا يقبلها العقل ولا ينسجم معها القانون؟

أولًا: الجلوة ليست حكمًا شرعيًا بذاتها

من المهم ابتداءً أن نفرق بين الشريعة الإسلامية وبين العرف العشائري.

فالشريعة جاءت بأصول عامة عظيمة في حفظ الدماء، وتحقيق العدل، ومنع الاعتداء، والإصلاح بين الناس، لكنها لم تجعل إجلاء أقارب الجاني عقوبةً شرعية عامة لمجرد قرابتهم منه.

ومن أصول الشريعة المحكمة قول الله تعالى:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

وهذا أصل عظيم في المسؤولية الفردية؛ فالإنسان لا يؤاخذ بجريمة غيره، ولا يحمل وزر فعل لم يرتكبه.

ومن هنا فإن تحميل الأبناء أو الأقارب تبعة جريمة ارتكبها شخص واحد يحتاج إلى نظر دقيق؛ لأن القرابة في ذاتها ليست سببًا للعقوبة.

لكن هذا لا يعني أن كل صورة من صور الإبعاد المؤقت يمكن وصفها بأنها محرمة أو باطلة بمجرد تسميتها "جلوة"، إذ قد يكون المقصود في بعض الحالات إجراءً احترازيًا مؤقتًا لدرء فتنة محققة وحماية الأرواح، لا عقوبةً للأبرياء ولا انتقامًا منهم.

وهنا تظهر ضرورة التفريق بين الجلوة بوصفها عقوبة جماعية، وبين الإبعاد الوقائي المؤقت الذي تقتضيه ظروف استثنائية لحفظ الأمن ومنع وقوع جريمة أخرى.

وهذا التفريق في غاية الأهمية.

ثانيًا: لماذا نشأت الجلوة في العرف العشائري؟

إذا أردنا أن نفهم الجلوة فهمًا صحيحًا، فعلينا ألا ننظر إليها بعين الحاضر فقط، بل أن نفهم البيئة التي نشأت فيها.

فالمجتمع العشائري القديم لم يكن يملك مؤسسات الدولة الحديثة، ولا أجهزة أمنية وقضائية بالقدرة والانتشار الموجودين اليوم. وكانت الجريمة، ولا سيما القتل، قد تفتح بابًا واسعًا للثأر والانتقام، وقد تتطور من فعل فرد إلى نزاع بين جماعتين.

ولهذا نشأت بعض الأعراف كوسائل لمنع اتساع دائرة الدم، ومن بينها الجلوة.

فالغاية الأصلية التي يُنسب إليها هذا العرف لم تكن بالضرورة الانتقام من أهل الجاني، وإنما إبعاد طرفي النزاع عن الاحتكاك المباشر، وتهدئة النفوس، ومنح أهل المقتول وأهل الجاني مساحة زمنية للوصول إلى الصلح ومنع استمرار الدماء.

وتوثق المصادر الرسمية للتراث الثقافي الأردني الجلوة بوصفها من تقاليد القضاء العشائري، وترتبط تاريخيًا بقضايا القتل وبعض قضايا العرض، كما تذكر من مقاصدها منع تفاقم المشكلة والحد من "فورة الدم".

وهذا جانب لا يجوز إنكاره عند دراسة العرف دراسة علمية.

ثالثًا: لكن العرف ليس فوق الشريعة

هنا يجب أن تكون الكلمة واضحة:

العرف العشائري محترم ما دام محققًا للمصلحة ولا يصادم نصًا شرعيًا ولا يهدر حقًا ثابتًا.

أما إذا تحول العرف إلى ظلم، أو اعتداء، أو تحميل إنسان مسؤولية جريمة غيره، أو إهدار للمال أو التعليم أو العمل أو الاستقرار الأسري، فإنه يفقد مبرر اعتباره عرفًا صالحًا.

فالقاعدة ليست:

"هكذا جرت العادة إذن فهو صحيح."

بل القاعدة:

"هكذا جرت العادة، فننظر: هل توافق الحق والعدل ومقاصد الشريعة أم تخالفها؟"

وهذه هي الطريقة الصحيحة في دراسة الأعراف.

فليس من الإنصاف أن نرفض الأعراف العشائرية كلها، كما أنه ليس من الإنصاف أن ندافع عن كل ممارسة عشائرية لمجرد أنها قديمة.

رابعًا: أين تكمن المشكلة في الجلوة اليوم؟

المشكلة ليست فقط في أصل فكرة الجلوة، وإنما في التوسع فيها والخروج بها عن مقاصدها.

فإذا تحولت الجلوة من إجراء مؤقت لحقن الدماء إلى تهجير عائلات بأكملها، وإخراج أطفال ونساء وشيوخ من بيوتهم، وتعطيل أعمالهم، وقطعهم عن جامعاتهم ومدارسهم ومصالحهم، واستمرت لأشهر أو سنوات، فإن السؤال يصبح مشروعًا:

هل ما زلنا أمام عرف هدفه حقن الدماء، أم أمام ممارسة ترتب أضرارًا جديدة على أشخاص لم يرتكبوا الجريمة؟

وهذا السؤال لا يجوز الهروب منه.

فقد أشارت وزارة الداخلية الأردنية عند إعلان وثيقة ضبط الجلوة إلى الآثار المترتبة على التوسع فيها، ومنها ترحيل العائلات عن أماكن سكنها وما يترتب على ذلك من فقدان الوظائف والمقاعد الجامعية والمصالح التجارية والاقتصادية، وأكدت أن الهدف من الضبط هو الحد من المغالاة والبدع الدخيلة والتجاوزات.

خامسًا: بين الجلوة القديمة والجلوة التي نراها اليوم

وهنا نحتاج إلى قدر كبير من الصراحة.

فالعرف العشائري ليس نصًا جامدًا لا يتغير، بل هو نتاج ظروف اجتماعية وتاريخية معينة.

وإذا تغيرت الظروف التي أنشأت العرف، ووجدت الدولة الحديثة ومؤسساتها الأمنية والقضائية، وأصبح بالإمكان حماية الناس ومنع الثأر وملاحقة الجاني وتأمين الأطراف المتنازعة، فمن الطبيعي أن يعاد النظر في وسائل تحقيق المقصد.

فالمقصد قد يبقى صحيحًا، بينما تتغير الوسيلة.

حقن الدماء مقصد، وليس بالضرورة أن تكون الجلوة هي الوسيلة الوحيدة لتحقيقه.

حماية أهل المجني عليه مقصد، وليست بالضرورة بإخراج مئات الأبرياء من بيوتهم.

منع الثأر مقصد، وتتحمل الدولة ومؤسسات المجتمع مسؤولية تحقيقه بوسائل أكثر عدلًا وفاعلية.

وهنا يكون التطوير الحقيقي للعُرف: أن نحافظ على مقاصده الصحيحة، ونترك ما أصبح يحقق ضررًا أكبر من المصلحة التي نشأ من أجلها.

سادسًا: لا بد من التفريق بين "العرف" و"البدعة الدخيلة على العرف"

وهذه من أهم النقاط التي يجب أن ننتبه إليها.

فكثير مما ينسب اليوم إلى "العرف العشائري" قد لا يكون من صلب العرف القديم، وإنما ممارسات استحدثها الناس مع مرور الزمن.

وقد أشارت وزارة الداخلية نفسها عند إعلان وثيقة ضبط الجلوة إلى وجود اجتهادات واختلافات وبدع دخيلة ومغالاة وتشدد في بعض القضايا العشائرية، وهو ما يؤكد ضرورة التمييز بين العرف الأصيل والممارسة الطارئة.

وهذا أمر بالغ الأهمية في دراسة القضاء العشائري؛ لأن الباحث لا ينبغي أن يسأل فقط:

ماذا يفعل الناس؟

بل عليه أن يسأل:

متى بدأ هذا الفعل؟ ولماذا بدأ؟ ومن قرره؟ وهل كان مطردًا في جميع العشائر؟ وهل كان القضاة العشائريون يعدونه أصلًا ثابتًا أم إجراءً استثنائيًا؟ وهل بقيت علته قائمة؟

وهذه هي الأسئلة التي تصنع دراسة علمية للعُرف، بدل أن تكون مجرد نقل لما هو شائع.

سابعًا: هل يمكن أن نرفض الجلوة دون أن نهدم العرف العشائري؟

نعم.

بل إنني أرى أن من الخطأ أن نجعل الدفاع عن العرف العشائري مرادفًا للدفاع عن الجلوة بصورتها الواسعة.

فالأعراف العشائرية في أصلها منظومة اجتماعية واسعة، قامت على مفاهيم مثل الجاهة، والوجه، والكفالة، والعطوة، والصلح، والضمان، والدية، وحقن الدم، وحفظ الجوار، وإغاثة الملهوف، ومنع الثأر.

ولا يجوز أن تختزل هذه المنظومة كلها في قضية واحدة هي الجلوة.

بل إن قوة العرف العشائري الحقيقية تكمن في قدرته على الإصلاح وجمع الكلمة وإطفاء الفتنة.

فإذا كان العرف يستطيع أن يحمي الناس من الدماء، فعلينا أن نحافظ عليه.

وإذا كان يستطيع أن يقرب الخصوم من الصلح، فعلينا أن نقويه.

أما إذا أصبحت وسيلة من وسائله تؤذي الأبرياء، فليس من الوفاء للعرف أن ندافع عن الضرر باسم المحافظة عليه.

ثامنًا: الموقف الصحيح ليس مع الجلوة أو ضدها فقط

إن السؤال الأعمق ليس:

هل نحن مع الجلوة أم ضد الجلوة؟

وإنما:

ما الذي نريد أن نحافظ عليه من فلسفة الجلوة، وما الذي يجب أن نتركه منها؟

إذا كان المقصود حماية الدماء ومنع الثأر، فهذا مقصد عظيم.

وإذا كان المقصود تهدئة النفوس حتى يتم الصلح، فهذا مقصد معتبر.

أما أن يصبح الأبرياء ضحايا لجريمة لم يرتكبوها، فهذا يحتاج إلى مراجعة.

وقد اتجهت الدولة الأردنية بالفعل إلى تضييق نطاق الجلوة وتنظيمها؛ إذ نصت التعديلات التي أعلنتها وزارة الداخلية على حصر المشمولين بها في الجاني ووالده وأبنائه، وفي قضايا محددة، مع تحديد مدة ومكان الجلوة.

وهذا الاتجاه، في تقديري، ينبغي أن يُقرأ لا باعتباره حربًا على العرف العشائري، وإنما باعتباره محاولة لضبط العرف ومنع الغلو فيه وحماية مقاصده الأصلية من الانحراف.

وأخيرًا...

إن العرف العشائري الذي نريد أن نحافظ عليه ليس ذلك الذي يحمّل البريء ذنب المذنب، ولا الذي يهجر العائلات، ولا الذي يعطل حياة الناس.

إنما هو العرف الذي يمنع الدم قبل أن يسيل، ويطفئ الفتنة قبل أن تكبر، ويحفظ للناس كرامتهم، ويقود الخصوم إلى الصلح، ويقف إلى جانب المظلوم دون أن يظلم غيره.

ولذلك فإن مراجعة الجلوة ليست إساءة إلى العشيرة، ولا طعنًا في القضاء العشائري، ولا تنكرًا لتاريخ المجتمع.

بل قد تكون المراجعة نفسها وفاءً لروح العرف ومقاصده.

فالأعراف العشائرية التي تستحق أن تبقى هي التي تستطيع أن تتطور مع الزمن دون أن تفقد جوهرها، وأن تستفيد من مؤسسات الدولة دون أن تفقد قيمتها الاجتماعية، وأن تلتقي مع الشريعة في مقاصدها الكبرى: العدل، ورفع الظلم، وحفظ الدماء، وصيانة الكرامة، والإصلاح بين الناس.

والقاعدة التي ينبغي أن تكون حاضرة في كل نقاش حول الجلوة:

نحافظ على مقصد العرف، ونراجع وسيلته؛ ونحترم العشيرة، ولا نظلم الفرد؛ ونطلب حقن الدماء، دون أن نسفك حقوق الأبرياء.

وهذه، في ظني، هي المساحة التي يمكن أن تلتقي فيها الشريعة، والعرف العشائري، ودولة القانون.
د. عودة بن حامد الأصفر بني عطية ابو فيصل