د. هيفاء ابو غزالة : حقوق الإنسان في الأردن… المصداقية هي الاختبار

هل قال التقرير الحقيقة كما هي؟ وهل أظهر السلبيات بالوضوح نفسه الذي سجل فيه الإيجابيات؟
كان هذا من أول الأسئلة التي طرحتها على الأخت سمر الحاج حسن، رئيسة مجلس أمناء المركز الوطني لحقوق الإنسان، عندما التقيتها وتحدثنا حول التقرير السنوي الثاني والعشرين لحالة حقوق الإنسان في الأردن لعام 2025. وقد طلبت منها تزويدي بنسخة من التقرير وملخصه لأطلع عليه قبل إطلاقه ومناقشة ما تضمنه من ملاحظات وتوصيات.
ولم يكن سؤالي بحثاً عن السلبيات، بل عن المصداقية؛ لأن قيمة أي تقرير وطني لحقوق الإنسان لا تقاس بعدد صفحاته أو توصياته، وإنما بقدرته على أن يقدم الصورة كما هي، وأن يرصد الإنجاز مثلما يرصد الخلل.
فنحن لا نحتاج إلى تقرير يجمّل الواقع، كما لا نحتاج إلى تقرير يتصيد الأخطاء ويتجاهل ما تحقق. نحتاج إلى تقرير مهني ومستقل يقول لنا بوضوح: هنا تقدمنا فنحافظ على الإنجاز، وهنا ما زالت هناك فجوة فنعالجها، وهنا توصية تستحق أن تتحول من الورق إلى قرار وممارسة.
وهذا، في تقديري، هو الاختبار الحقيقي للمركز الوطني لحقوق الإنسان، وهو أيضاً مصدر قوته.
وقد لفت نظري اتساع القضايا التي يتناولها التقرير، وفي مقدمتها الحقوق المدنية والسياسية، والحق في الحرية والأمان الشخصي، إلى جانب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وما يرتبط بهذه المجالات من ملاحظات وتوصيات تمس حياة المواطن وكرامته وعلاقته اليومية بمؤسسات الدولة.
وتوقفت بصورة خاصة أمام حرية الرأي والتعبير والصحافة والإعلام؛ فهي من الحقوق الأساسية، كما أنها أصبحت أكثر تعقيداً في عصر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد النشر حكراً على الصحفي أو المؤسسة الإعلامية، وأصبح المواطن نفسه قادراً على أن يكون صاحب رأي وناشراً للمعلومة في اللحظة ذاتها.
وفي هذا المجال تظل المعادلة الأساس هي حماية الحق وصون المسؤولية في آن واحد. فحرية التعبير حق أصيل وركيزة في أي مجتمع يتطلع إلى مزيد من المشاركة والانفتاح، وممارستها تكتسب قوتها حين تستند إلى المهنية واحترام القانون وحقوق الآخرين وكرامتهم. وفي زمن تصل فيه المعلومة والرأي إلى الآلاف في لحظات، تتضاعف مسؤولية الإعلام كما تتضاعف مسؤولية مستخدمي الفضاء الرقمي في تحري الدقة، والابتعاد عن التشهير وخطاب الكراهية والمعلومات المضللة. والمطلوب ليس المفاضلة بين الحرية والمسؤولية، بل إيجاد التوازن الذي يصون مساحة التعبير والنقد المسؤول، ويحمي في الوقت ذاته المجتمع وحقوق أفراده، في إطار سيادة القانون واحترام الكرامة الإنسانية.
واستوقفتني أيضاً الشكاوى التي يستقبلها المركز الوطني لحقوق الإنسان. وقد ينظر البعض إلى عدد الشكاوى باعتباره مؤشراً سلبياً فحسب، لكنني أراه من زاوية أخرى أيضاً. فالشكوى لا تعني فقط وجود مشكلة؛ بل إن وصولها إلى المركز يعني أن مواطناً يعرف أن هناك باباً يستطيع أن يطرقه، ويثق بأن صوته يمكن أن يُسمع وأن شكواه ستجد من يتابعها.
وهذه الثقة رأس مال حقيقي للمركز، ويجب المحافظة عليها وتعزيزها؛ فالمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان لا تستمد قوتها من التشريع الذي أنشأها وصلاحياتها فقط، وإنما من ثقة الناس باستقلاليتها ومهنيتها وقدرتها على الاستماع والوصول إلى الحقيقة ومتابعة ما يعرض عليها.
إن إبراز السلبيات لا ينتقص من صورة الأردن، كما أن الاعتراف بوجود خلل لا يلغي الإنجازات. على العكس، فإن قوة الدولة ومؤسساتها تظهر في قدرتها على مراجعة أدائها، والاستماع إلى النقد المهني، وتصويب الممارسات عندما تستدعي الحاجة ذلك.
فالهدف من التقرير ليس تسجيل الأخطاء، كما أن الهدف من التوصيات ليس زيادة عدد صفحات التقرير. الغاية هي الإصلاح.
وقد حمل تسلّم جلالة الملك عبدالله الثاني التقرير السنوي الثاني والعشرين من رئيسة مجلس أمناء المركز دلالة مهمة على المكانة التي يحتلها ملف حقوق الإنسان في مسيرة الدولة الأردنية، وعلى أهمية استمرار المركز في أداء دوره بمهنية واستقلالية، وتعزيز التعاون مع مختلف مؤسسات الدولة لترجمة التوصيات إلى نتائج.
لكن التقرير، مهما بلغت أهميته، لا يكتمل بمجرد إطلاقه.
فالاختبار الأصعب يبدأ في اليوم التالي.
ماذا سيحدث للتوصيات؟ كم منها سيجد طريقه إلى التنفيذ؟ وما الذي سيبقى منها دون معالجة؟ وهل سنجد في التقرير المقبل توصيات تتكرر من عام إلى آخر، أم سنقرأ أن قضايا عولجت وتوصيات أُنجزت ولم تعد هناك حاجة إلى تكرارها؟
هنا تحديداً ينتقل التقرير من الرصد إلى الأثر.
ولهذا أتطلع إلى أن تصبح متابعة التوصيات جزءاً أساسياً من منظومة العمل، وأن يكون واضحاً ما تم تنفيذه، وما نُفذ جزئياً، وما لم ينفذ وأسباب ذلك. فالمتابعة ليست خصومة مع مؤسسات الدولة، والمساءلة ليست انتقاصاً منها؛ بل هما وسيلتان لتحسين الأداء وتعزيز الثقة وتحويل التقرير إلى أداة حقيقية للإصلاح.
لقد راكم الأردن عبر العقود رصيداً مهماً في مجال حقوق الإنسان وسيادة القانون وبناء المؤسسات، والمحافظة على هذا الرصيد لا تكون بالاكتفاء بما تحقق، بل بمواصلة التطوير، ومراجعة الذات، والاستماع إلى المواطن، والقدرة على الاعتراف بالخلل ومعالجته.
ولهذا، وأنا أقرأ التقرير السنوي الثاني والعشرين، لا أبحث عن تقرير يقول إن كل شيء بخير، ولا عن تقرير يقول إن كل شيء خطأ.
أبحث عن تقرير أصدقه.
تقرير يعترف بالإنجاز ولا يخشى تسجيل الملاحظة، يرصد الخلل بموضوعية، ويستمع إلى شكوى المواطن فلا يحولها إلى مجرد رقم، ويقدم توصيات لا تنتهي مهمتها بانتهاء حفل إطلاق التقرير.
فحقوق الإنسان ليست صفحات ولا أرقاماً ولا شعارات. إنها ما يشعر به الإنسان في حياته اليومية؛ عندما يعبر عن رأيه، وعندما يختلف، وعندما يلجأ إلى القانون، وعندما يطرق باب مؤسسة طالباً حقه. إنها أن يشعر بأن حريته مصونة، وأمانه محفوظ، وصوته مسموع، وكرامته محترمة.
وتبقى المصداقية هي الاختبار… والتنفيذ هو الدليل.
التقدير للأخت سمر الحاج حسن ولمجلس الأمناء وفريق المركز على ما بذلوه في إعداد هذا التقرير، والأمل أن تكون توصياته بداية لخطوات تُرى نتائجها ولا تبقى بين صفحاته. فالقيمة الحقيقية لأي تقرير عن حقوق الإنسان ليست في ما يقوله يوم إطلاقه، بل في ما يتغير بسببه في اليوم التالي


















