أ.د. محمد الفرجات : أمام وزير الداخلية ومدير الأمن العام.. أوقفوا «البتونة» قبل أن تحصد مزيداً من الأرواح

معالي وزير الداخلية
عطوفة مدير الأمن العام
ما حدث في شارع الجامعة الأردنية ليس مجرد حادث سير عابر ينبغي أن ينتهي بخبر عن وفاة وإصابة وفتح تحقيق.
إنه جرس إنذار جديد حول سلوك مروري خطير يتوسع على طرقنا في كل المدن والطرق الداخلية والخارجية،
وخصوصاً في عمّان وطريق المطار والطرق السريعة: السرعة العالية، والتغيير المفاجئ للمسارب، والتسلل بين المركبات، والتجاوزات المتتابعة، والقيادة بطريقة استعراضية يطلق عليها بعض السائقين شعبياً «البتونة»، من كلمة between.
وقد أعلنت الأجهزة الأمنية اليوم أن التحقيق في حادث شارع الجامعة الأردنية أظهر أن سببه السرعة وتغيير المسرب بشكل مفاجئ؛ حيث اصطدمت مركبتان، ثم أدى الحادث إلى دهس شخصين كانا بالقرب من المكان، فتوفي أحدهما وأصيب الآخر. وتم توقيف سائق المركبة وإحالته إلى القضاء.
وهنا يجب أن نتوقف.
لأن المشكلة ليست في حادث واحد، وإنما في ثقافة قيادة عدوانية تنتشر بشكل كبير، وتتعامل مع الطريق وكأنه حلبة سباق.
«البتونة» ليست فهلوة... إنها مخاطرة بحياة الآخرين
السائق الذي يندفع بسرعة، ثم ينتقل من مسرب إلى آخر، ويدخل أمام مركبة بفارق أمتار قليلة، ثم يخرج إلى مسرب آخر، ويتجاوز من اليمين أو اليسار، ثم يعود فجأة إلى مساره، قد يظن أنه يمتلك مهارة استثنائية في القيادة.
لكن الحقيقة أن المركبة لا تسير في فراغ.
هناك عشرات المركبات حوله، ولكل سائق سرعة ومسافة ورد فعل واتجاه.
وقد يكون السائق الآخر ملتزماً بالقانون، لكنه لا يستطيع أن يتوقع أن مركبة ستظهر أمامه فجأة من بين مركبتين.
وهنا تصبح «البتونة» خطراً على أشخاص لم يرتكبوا أي مخالفة.
وهذا هو الجانب الأكثر إيلاماً في هذه الظاهرة.
فقد يقود أب أسرته بهدوء، أو شاب إلى جامعته، أو موظف إلى عمله، ثم يجد نفسه خلال ثانية واحدة أمام مركبة مسرعة غيرت مسربها بصورة مفاجئة.
السرعة وحدها ليست المشكلة... اجتماع المخالفات هو الخطر
يجب أن ننظر إلى القيادة الخطرة باعتبارها منظومة سلوكيات متراكبة:
سرعة عالية + تغيير مسرب مفاجئ + تجاوز غير آمن + مسافة أمان شبه معدومة + التسلل بين المركبات + استخدام الضوء العالي للضغط على الآخرين.
كل واحدة منها خطرة، لكن اجتماعها قد يحول المركبة إلى وسيلة شديدة الخطورة.
ولهذا فإن التعامل مع هذه الحالات باعتبارها مجرد «مخالفة سرعة» قد لا يعكس مستوى الخطر الحقيقي الذي تعرض له مستخدمو الطريق.
المطلوب هو التعامل مع القيادة العدوانية والخطرة باعتبارها جريمة وسلوكاً شاذا وقاتلا، ووفق ما تسمح به التشريعات، وبما يضمن أن العقوبة تتناسب مع مستوى الخطر والنتائج المترتبة عليه.
ومعاليكم... هناك سلوك آخر يجب أن يتوقف:
السائق الذي يلتزم بالسرعة القانونية يسير في مسربه، فيأتي من خلفه سائق يريد الوصول بسرعة أكبر، أو يستقوي ويريد اللهو بسيارته.
ماذا يفعل؟
يبدأ بتلطيش الضوء العالي.
مرة.
ومرتين.
وأحياناً باستمرار.
ثم يقترب من المركبة الأمامية بشكل خطير، وكأنه يقول للسائق:
«افتح الطريق لي، فأنا أهم منك.»
والسائق الملتزم بالقانون ليس مطالباً بمخالفة القانون لأن شخصاً آخر قرر أن يقود بسرعة أعلى.
هذه الظاهرة قد تربك السائق الملتزم، وتفقده السيطرة على السيارة وتسبب له ولأسرته حادث قاتل... لأن أحدهم يريد أن يلهو...
الضوء العالي لا ينبغي أن يتحول إلى أداة ترهيب وقتل أو ضغط أو إكراه على السائقين.
ومن حق السائق الذي أمامه أن يواصل قيادته بصورة آمنة، ومن حق من يريد التجاوز أن ينتظر اللحظة والمسرب والظروف التي تسمح له بذلك وفق القانون.
أما أن يتحول الطريق إلى صراع بين «المستهتر» و«الملتزم»، فهذه عدوانية مرورية يجب أن تنتهي.
نحتاج إلى رسالة أمنية واضحة:
معالي وزير الداخلية، عطوفة مدير الأمن العام:
حان الوقت لإطلاق حملة وطنية متخصصة ضد القيادة الخطرة والعدوانية، لا تكون حملة موسمية مرتبطة بحادث كبير، وإنما برنامجاً مستمراً.
حملة تقول بوضوح:
لا للسرعة الخطرة.
لا للتغيير المفاجئ للمسارب.
لا للتسلل بين المركبات.
لا للتجاوزات الخطرة.
لا للالتصاق بالمركبة الأمامية.
لا للقيادة الاستعراضية.
لا لاستخدام الضوء العالي لإرغام الآخرين على إخلاء الطريق.
وأن تكون الرسالة واضحة على الطرق الداخلية والخارجية معاً.
التكنولوجيا يمكن أن تساعد
لدينا اليوم كاميرات، وأنظمة مراقبة، ووسائل توثيق، ويمكن الاستفادة من التكنولوجيا ليس فقط في ضبط السرعة، وإنما في رصد السلوك المروري الخطر.
لماذا لا يجري تطوير منظومة رقابية تركز على:
- السرعات العالية جداً.
- التغيير المتكرر والمفاجئ للمسارب.
- التجاوزات الخطرة.
- القيادة الاستعراضية.
- الاقتراب الخطير من المركبات.
- استخدام المسارب بطريقة تعرض الآخرين للخطر.
- السلوكيات التي تتكرر في مواقع محددة، مثل طريق المطار وبعض شوارع عمّان والطرق الخارجية.
كما يمكن دراسة الاستفادة من تسجيلات الكاميرات ووسائل التوثيق المتاحة في تحديد المركبات التي تمارس هذه السلوكيات بصورة متكررة.
ونحتاج أيضاً إلى تشديد التعامل القانوني
ليس المقصود معاقبة كل سائق يغير مسربه.
فتغيير المسرب بحد ذاته سلوك طبيعي عندما يتم بصورة قانونية وآمنة.
المشكلة في التغيير المفاجئ والخطر، خصوصاً عندما يقترن بسرعة عالية أو تجاوز أو تعريض الآخرين للخطر.
لذلك أقترح دراسة تطوير الإطار القانوني بحيث يميز بوضوح بين المخالفة العادية وبين القيادة الخطرة أو العدوانية التي تعرض حياة الآخرين للخطر، مع عقوبات تصاعدية على التكرار، وتشديد العقوبة عندما تنتج إصابات أو وفيات، وذلك ضمن الأصول القانونية والقضائية.
والأهم... حماية السائق الملتزم
يجب أن تصل رسالة مختلفة تماماً إلى المواطن:
إذا كنت ملتزماً بالسرعة المحددة، وتحافظ على مسربك ومسافة الأمان، فلا تدخل في سباق مع أحد.
إذا جاءك سائق مسرع من الخلف:
لا تستفزه.
لا ترفع سرعتك.
لا تمنعه عمداً.
ولا تحاول أن تعطيه درساً في القيادة.
قد الطريق ما دمت ملتزماً، ودعه يتجاوز عندما تسمح ظروف الطريق والقانون.
فالشارع ليس مكاناً لتصفية الحسابات.
معالي وزير الداخلية... عطوفة مدير الأمن العام
حادث شارع الجامعة الأردنية اليوم يقدم لنا فرصة لكي نتحرك قبل أن يأتي حادث آخر.
فالأجهزة الأمنية قامت بدورها في ضبط السائق والتحقيق وإحالته إلى القضاء، وهذا هو المسار القانوني الطبيعي.
لكن السؤال الأكبر هو:
كيف نمنع السلوك الذي يؤدي إلى الحادث قبل وقوعه؟
كيف نجعل السائق الذي يقود بسرعة خطرة يعرف أن الطريق مراقب؟
كيف نجعل من يمارس «البتونة» يدرك أن الأمر ليس استعراضاً؟
كيف نحمي السائق الملتزم من ضغط السائق المتهور؟
وكيف نعيد إلى الشارع الأردني ثقافة بسيطة جداً:
أنا مسؤول عن حياتي، لكنني أيضاً مسؤول عن ألا أعرّض حياة الآخرين للخطر.
إنني أدعو معالي وزير الداخلية وعطوفة مدير الأمن العام إلى دراسة إطلاق برنامج وطني لمكافحة القيادة العدوانية والسرعة الخطرة وتغيير المسارب المفاجئ، يجمع بين التشريع والرقابة والتكنولوجيا والتوعية والتطبيق الحازم للقانون.
فالأردني الذي يخرج صباحاً إلى عمله أو جامعته أو يعود مساءً إلى أسرته، لا ينبغي أن يخسر حياته بسبب شخص قرر أن يجعل من الطريق حلبة سباق.
أوقفوا «البتونة» وعدوانية الطرق في مدننا قبل أن تحصد مزيداً من الأرواح.
فالسرعة قد تختصر دقائق…
لكنها قد تختصر العمر كله.



















