+
أأ
-

غضب موظفي التربية.. حين يصبح الاعتصام رسالة

{title}
بلكي الإخباري

 

كتبت شيرين قسوس 

إذا كان غضب الناس تجاه وزارة التربية والتعليم مفهوماً، فإن غضب موظفيها يحمل دلالة أعمق. هؤلاء هم الأقرب إلى تفاصيل المؤسسة، والأكثر التصاقاً بأعبائها اليومية، وهم الذين ينفذون قراراتها ويتعاملون مع تحدياتها على الأرض. وعندما يصل الموظف إلى الاعتصام حتى يُسمع صوته، فإن الأمر لا يتعلق بمطلب عابر، بل بمساحة صبر ضاقت، وبخلل لم يعد ممكناً أن يبقى خلف أبواب المكاتب.

الاعتصام الأخير لسائقي مديريات التربية في أيلول 2026، للمطالبة بعلاوة غلاء المعيشة وبدلات صعوبة العمل والتنقل والعمل الإضافي وغيرها من المطالب، يعيد طرح سؤال أوسع من قيمة هذه المطالب وحدود الاستجابة لها: كيف تتعامل المؤسسة مع موظفيها عندما تتراكم مطالبهم ولا يجدون إجابات حاسمة؟

فالسائق الذي يقضي ساعات طويلة في العمل، ويتنقل بين المناطق، ويتحمل كلفة التنقل وأعباء العمل ومسؤولياته الأسرية، لا يتحدث عن تفاصيل بعيدة عن واقعه. خلف كل مطلب ساعات عمل ومسافات ومصاريف وجهد يومي. ومن الطبيعي أن تخضع المطالب للقانون والأنظمة والإمكانات المالية، لكن من الطبيعي أيضاً أن يعرف الموظف أين وصل مطلبه، وما الذي يمكن تحقيقه، وما الذي يتعذر تحقيقه، ولماذا.

المشكلة لا تبدأ عند الاعتصام. الاعتصام هو غالباً آخر حلقات مسار طويل يبدأ بمطلب، ثم متابعة، ثم انتظار، ثم تأجيل، ثم شعور متراكم بأن الصوت لا يصل إلى حيث ينبغي أن يصل.

وهنا تحديداً تصبح القضية أكبر من المطالبة المالية نفسها.

الأكثر إيلاماً أن موظفي التربية، وهم جزء أساسي من المؤسسة التي يفترض أن تقوم على التعليم وبناء الوعي واحترام الإنسان، قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى استخدام الاحتجاج حتى يلفتوا الانتباه إلى مطالبهم. أما إغلاق نقابة المعلمين، فقد ترك لدى كثير من المعلمين جرحاً رمزياً تجاوز مسألة إغلاق المكاتب والأبواب. كان الباب المغلق، في وجدان كثيرين، علامة على غياب مساحة كانوا يفترض أن يجدوا فيها صوتاً يمثلهم ويدافع عن حقوقهم.

ومعلمو الأردن الذين يعلّمون أبناءنا معنى الحق والكرامة، يعرفون أن كرامة المهنة لا تُصان بالكلمات وحدها، وإنما أيضاً بوجود مساحة حقيقية للحوار، وبقدرة أصحاب المهنة على التعبير عن مطالبهم ضمن القانون والمؤسسات.

ليس المطلوب أن توافق الوزارة على كل مطلب، فهذا ليس معياراً واقعياً لإدارة مؤسسة عامة. المطلوب أن يكون هناك حوار جاد، وأن يحصل الموظف على إجابة واضحة، وأن يعرف مصير الملف الذي يعنيه. فالرفض المبرر أكثر احتراماً للموظف من التأجيل المفتوح، والوضوح أكثر عدالة من ترك الناس في مساحة الانتظار.

العلاقة بين الموظف والمؤسسة لا تقوم على الواجب وحده. الموظف يؤدي ما عليه، والمؤسسة مسؤولة في المقابل عن حقوقه، وعن عدالة التعامل معه، وعن احترام كرامته المهنية. وعندما يختل هذا التوازن، لا تخسر المؤسسة رضا موظفيها فقط، بل تخسر جزءاً من قوتها الداخلية وقدرتها على بناء الثقة.

وهذا الأمر يصبح أكثر أهمية في مرحلة تتحدث فيها الدولة عن التحديث وإعادة الهيكلة وتطوير الأداء. فالإصلاح الإداري لا يتعلق بالهياكل والأنظمة والمسميات الوظيفية فقط؛ بل يتعلق أيضاً بالإنسان الموجود داخل هذه الهياكل. ولا يمكن لمؤسسة أن تتقدم إذا شعر موظفوها أنهم خارج دائرة الحوار أو أن التغيير يحدث من حولهم من دون أن يكون لهم صوت فيه.

وزارة التربية والتعليم ليست مؤسسة عابرة. ما يحدث داخلها لا يبقى داخل المديريات والمكاتب، بل يمتد أثره إلى المعلم والطالب والأسرة والمجتمع. وكل خلل في العلاقة بين المؤسسة وموظفيها ينعكس، بصورة أو بأخرى، على صورة المؤسسة وثقة الناس بها.

لذلك، فإن التعامل مع غضب الموظفين لا ينبغي أن يقتصر على احتواء لحظة الاعتصام أو إنهاء الاحتجاج. الأهم هو معالجة الأسباب التي أوصلت إليه: مراجعة الملفات العالقة، فتح قنوات حوار حقيقية، تحديد المسؤوليات، وتقديم إجابات واضحة وفي مواعيد واضحة.

فالوضوح احترام، حتى عندما تكون الإجابة «لا».

والموظف، في نهاية الأمر، لا يطلب المستحيل. يريد أن يشعر بأن عمله له قيمة، وأن صوته مسموع، وأن كرامته محفوظة، وأن حقوقه لا تحتاج إلى معركة طويلة حتى تصل إليه.

ربما يكون اعتصام سائقي مديريات التربية في أيلول 2026 مناسبة لإعادة النظر في هذه العلاقة قبل أن تتسع الفجوة أكثر. فالاعتصام ليس بداية الحكاية، بل نتيجتها. بدايته الحقيقية في مطلب يتأخر، وملف لا يُحسم، وموظف لا يجد جواباً، وشعور يتراكم بأن صوته لا يغيّر شيئاً.

والرسالة التي وصلت هذه المرة ليست موجهة إلى وزارة التربية وحدها، بل إلى كل من يعنيه مستقبل المؤسسة العامة: الموظف ليس تفصيلاً في عملية الإصلاح، بل أحد شروط نجاحها.

ويبقى السؤال الآن: هل تتحول هذه اللحظة إلى فرصة لحوار جاد يعيد للموظف ثقته، وللمعلم كرامته، وللمؤسسة احترامها؟ أم يبقى التأجيل هو الإجابة، إلى أن يتحول الاحتقان الإداري إلى أزمة ثقة يصعب ترميمها؟