فرنسا في مواجهة حادة مع الديون المتراكمة واختبارات اقتصادية صعبة

تجد فرنسا نفسها اليوم امام تحديات مالية خانقة تضع اقتصادها تحت ضغط غير مسبوق في ظل تصاعد ارقام الدين العام وتراجع مؤشرات النمو الاقتصادي بشكل لافت. وتكشف المعطيات الاخيرة عن اتساع فجوة العجز في الموازنة العامة مما يجعل المشهد المالي اكثر تعقيدا مع استمرار تداعيات ازمات الطاقة والتوترات الجيوسياسية الدولية التي القت بظلالها على قدرة الدولة على التكيف. واظهرت التقديرات المالية ان خيارات الاصلاح المتاحة امام الحكومة تبدو محفوفة بالمخاطر في ظل مناخ سياسي منقسم بشدة واقتراب المواعيد الانتخابية التي تجعل من القرارات الاقتصادية المؤلمة امرا صعب التنفيذ.
واوضحت التقارير الاقتصادية ان حجم الدين العام الفرنسي شهد قفزات كبيرة خلال السنوات الاخيرة حيث تجاوزت مستويات الدين تريليون يورو اضافية مقارنة بالسنوات السابقة. وبينت الاحصائيات ان نسبة الدين الى الناتج المحلي الاجمالي في طريقها للارتفاع بشكل مقلق قد يتخطى حاجز 130 بالمئة خلال السنوات القادمة اذا لم يتم اتخاذ تدابير تصحيحية عاجلة. واكد خبراء ان الحكومة تقف اليوم امام معادلة صعبة توازن بين الحاجة الماسة لخفض الانفاق العام وبين تجنب زيادة الضرائب التي قد تؤثر سلبا على القوة الشرائية للمواطنين.
واقع النمو الاقتصادي ومخاطر الركود
وكشفت توقعات المؤسسات المالية الكبرى عن آفاق نمو متواضعة للاقتصاد الفرنسي حيث تشير تقديرات البنك المركزي وصندوق النقد الدولي الى ان معدلات النمو ستبقى دون المستوى المطلوب لدعم الميزانية العامة. واضافت البيانات ان التضخم لا يزال يشكل هاجسا كبيرا للسياسة النقدية والمالية في البلاد مما يقلص من فعالية الادوات المتاحة للسيطرة على العجز. وشدد محللون على ان استعادة النمو القوي هي المفتاح الوحيد للخروج من نفق الديون المظلم معتبرين ان الاعتماد على التمويل الخارجي اصبح مكلفا للغاية في ظل الظروف الراهنة.
وبين استاذ الاقتصاد كميل الساري ان الاقتصاد الفرنسي دفع ضريبة باهظة نتيجة تتابع الازمات العالمية بدءا من الجائحة وصولا الى اضطرابات سلاسل توريد الطاقة. واوضح ان فرنسا كدولة مستوردة للطاقة باتت عرضة لتقلبات الاسواق العالمية بشكل مباشر مما انعكس على كلفة المعيشة والنشاط الصناعي. واكد ان معالجة هذه الاختلالات تتطلب استراتيجية شاملة تتجاوز مجرد تقليص الانفاق لتصل الى تحفيز الموارد المحلية وتحسين كفاءة الانتاج.
عبء فوائد الدين والجمود السياسي
واظهرت الارقام ان فاتورة فوائد الدين العام تلتهم جزءا كبيرا من ايرادات الدولة حيث بلغت مبالغ ضخمة خلال النصف الاول من العام الحالي مما يفرض ضغوطا اضافية على الميزانية. واشار مراقبون الى ان الحاجة لتوفير مليارات اليوروهات سنويا تضع صناع القرار في موقف لا يحسدون عليه خاصة مع غياب التوافق البرلماني حول خطط التقشف. واضافت التحليلات ان اي محاولة لفرض اصلاحات هيكلية تصطدم دائما بالواقع السياسي المتازم حيث تخشى القوى السياسية من فقدان شعبيتها قبل الاستحقاقات الرئاسية القادمة.
وذكر الساري ان التحدي الحقيقي يكمن في ايجاد ارادة سياسية مشتركة قادرة على تمرير قرارات اصلاحية جريئة دون التسبب في انفجار اجتماعي. واوضح ان تاجيل هذه الاصلاحات قد يمنح الحكومة فترة راحة قصيرة ولكنه يراكم التكاليف الاقتصادية على المدى البعيد. وشدد على ان نجاح فرنسا في تجاوز هذه الازمة يعتمد بشكل اساسي على قدرتها في اقناع الشارع بضرورة التضحية اليوم من اجل استدامة الاستقرار المالي في المستقبل.



















