+
أأ
-

م.بهجت الرواشدة يكتب :من بلدية تنفق إلى بلدية تستثمر

{title}
بلكي الإخباري

 

إذا أردنا تطوير العمل البلدي بصورة حقيقية ومستدامة فعلينا أن نعيد النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى البلدية ودورها الاقتصادي والتنموي.

فالبلدية اليوم ليست مجرد جهة تقدم خدمات النظافة والإنارة وفتح الطرق وصيانتها وإنما هي مؤسسة محلية تمتلك أصولا وأراضي وموارد بشرية وموقعا جغرافيا يمكن أن تتحول جميعها إلى أدوات للتنمية والاستثمار وخلق الإيرادات.

ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من ثقافة انتظار الدعم إلى ثقافة صناعة الموارد ومن إدارة النفقات إلى إدارة الأصول ومن معالجة الاحتياجات اليومية فقط إلى بناء مشاريع تحقق عائدا مستداما.

وأعتقد أن من أهم الخطوات العملية أن تقوم كل بلدية بإعداد خريطة استثمارية واضحة تحدد فيها الأراضي والمباني والمواقع والأصول القابلة للاستثمار ثم تصنفها وفق جدواها الاقتصادية بحيث يتم اختيار المشاريع القادرة على تحقيق عائد حقيقي وليس مجرد إقامة مشاريع لا تضيف شيئا إلى الموازنة.

ولا يعني الاستثمار البلدي بالضرورة الدخول في مشاريع ضخمة أو مكلفة فقد يكون المشروع سوقا منظما أو مجمعا تجاريا أو موقفا استثماريا أو منطقة حرفية أو مشروعا زراعيا أو سياحيا أو خدميا بحسب طبيعة كل بلدية وموقعها وميزتها النسبية.

المهم أن يكون القرار مبنيا على دراسة جدوى حقيقية تحدد حجم الاستثمار والتكاليف والعائد المتوقع وفترة استرداد رأس المال والمخاطر وآلية الإدارة والتشغيل.

كما أن الشراكة مع القطاع الخاص يجب أن تكون جزءا أساسيا من هذه الرؤية فالبلدية ليست مطالبة بأن تمول كل مشروع من موازنتها بل تستطيع أن تقدم الأرض أو الموقع أو التسهيلات ضمن الأطر القانونية وتستقطب مستثمرا يمتلك رأس المال والخبرة والتشغيل بينما تحافظ البلدية على ملكية أصولها وتحصل على عائد مستدام.

والأهم من ذلك أن لا تتحول الاستثمارات البلدية إلى مشاريع موسمية أو قرارات فردية بل يجب أن تكون جزءا من خطة اقتصادية متعددة السنوات ترتبط بالموازنة والخطة التنموية للمحافظة وتخضع لمؤشرات أداء واضحة ومراجعة دورية.

إن نجاح البلدية في إنشاء أصل استثماري واحد منتج قد يكون أكثر أهمية من تنفيذ عشرات المشاريع التي تستهلك الموازنة دون أن تولد إيرادا مستمرا.

فالطريق إلى الاستدامة المالية لا يكون فقط من خلال زيادة الرسوم أو تقليل النفقات وإنما من خلال بناء مصادر دخل جديدة.

وأرى أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو إنشاء وحدة أو ذراع متخصصة بالاستثمار البلدي تتولى حصر الأصول ودراسة الفرص الاستثمارية وإعداد دراسات الجدوى والتواصل مع المستثمرين ومتابعة المشاريع بعد تنفيذها وفق معايير مهنية وشفافة.

وإذا نجحنا في تحويل جزء من ممتلكات البلديات غير المستغلة إلى أصول منتجة فإننا لا نزيد الإيرادات فقط بل نخلق فرص عمل ونحرك الاقتصاد المحلي ونمنح القطاع الخاص مساحة أكبر للمشاركة ونرفع قدرة البلدية على تحسين خدماتها دون أن تبقى أسيرة للدعم الحكومي.

البلدية الناجحة في المستقبل ليست التي تنفق أكثر وإنما التي تستثمر أفضل وتنتج أكثر وتقدم خدمة أفضل.

وهنا تبدأ النقلة الحقيقية من بلدية تبحث عن تمويل لمشاريعها إلى بلدية تمتلك مشاريع تمول خدماتها.

وهذا هو الاستثمار الذي نحتاجه في الإدارة المحلية استثمار يحافظ على المال العام ويصنع قيمة مضافة ويترك للبلدية وللمجتمع المحلي أصولا وإيرادات وفرصا للأجيال القادمة.

المهندس بهجت الرواشده