السيرة النبوية الشريفة… خُلقاً وحياة

بقلم: عبد الله مصطفى السعود
كم بقي من هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم في تفاصيل يومنا هذا؟
قد يبدو السؤال بسيطاً، لكنه من أكثر الأسئلة التي تستحق أن نطرحها ونحن نستعيد ذكرى المولد النبوي الشريف؛ لأن قيمة الذكرى لا تقاس بما نقوله عنها، وإنما بما تتركه فينا بعدها.
نحن نعرف سيرته العطرة، ونقرأ شمائله المحمدية، ونستعيد مواقفه عاماً بعد عام. لكن ماذا يحدث حين نغادر صفحات السيرة ونعود إلى حياتنا اليومية؟ هل يبقى الصدق حاضراً في معاملاتنا؟ وهل تبقى الرحمة حين نختلف؟ وهل يبقى العدل حين تكون لنا مصلحة في غيره؟
هنا تبدأ المسافة الحقيقية بين أن نعرف السيرة وأن نعيشها.
فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن نموذجاً يروى في الكتب فقط، بل كانت القيم في حياته مواقف يراها الناس ويعيشون أثرها؛ الرحمة في تعامله، والصدق في قوله، والعدل في حكمه، والوفاء في عهده، وحسن الخلق في تفاصيل حياته.
ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
وحين سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خُلقه صلى الله عليه وسلم، قالت: «كان خُلُقه القرآن». عبارة تختصر معنى عظيماً؛ فالقرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن نصاً يتلى فحسب، بل كان خُلقاً يرى، وعدلاً يمارس، ورحمة يعيشها الناس.
وإذا كان الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، فالسؤال لم يعد: هل نعرف السيرة؟ بل: هل تركت السيرة أثرها فينا؟
وربما لا نحتاج إلى مواقف كبيرة لنختبر ذلك الأثر؛ فقد يظهر في تفاصيل صغيرة: في الطريقة التي نتحدث بها مع أهلنا، وفي تعاملنا مع من نختلف معه، وفي أمانتنا حين لا يراقبنا أحد، وفي قدرتنا على الاعتذار عندما نخطئ.
قد يكون الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أبسط مما نتصور؛ أب يختار كلماته مع ابنه بدل أن يجرحه، وموظف يرفض استغلال موقعه، وإنسان يملك فرصة للرد على إساءة فيختار أن يعفو. في مثل هذه المواقف تتحول السيرة من معرفة محفوظة إلى أخلاق حاضرة.
وتزداد حاجتنا إلى هذا الهدي في زمن أصبحت فيه الكلمة أسرع من التفكير، والحكم على الآخرين أسهل من فهمهم، وأصبح اختلاف الرأي قادراً على تحويل الحوار إلى خصومة.
نحن بحاجة إلى أن نتعلم كيف نختلف دون أن نهين، وكيف ننتقد دون أن نجرح، وكيف ندافع عن رأينا دون أن ننتقص من صاحب الرأي الآخر.
وحين تتحول الأخلاق من قيمة فردية إلى ثقافة عامة، يمتد أثرها إلى المجتمع والوطن. فالموظف الذي يؤدي عمله بأمانة، والمعلم الذي يبني الإنسان، والطبيب الذي يحفظ كرامة مريضه، والعامل الذي يتقن عمله، والجار الذي يحفظ حق جاره؛ كل واحد منهم يجعل من الأخلاق النبوية شيئاً يُرى، لا شيئاً يقال.
ومن هنا يصبح احترام القانون، وإتقان العمل، وأداء الأمانة، وحماية المال العام، واحترام حقوق الآخرين، وصون كرامة الإنسان؛ صوراً عملية لمسؤوليتنا تجاه وطننا ومجتمعنا.
فالسيرة النبوية ليست تاريخاً نقرأه ثم نطوي صفحاته، بل مدرسة مفتوحة على الحياة. نتعلم منها أن القوة الحقيقية ليست في إخضاع الآخرين، وإنما في القدرة على ضبط النفس، وأن المكانة ليست فيما نملك، وإنما فيما نتركه من أثر.
ولعل السؤال الأهم في ذكرى المولد النبوي الشريف ليس: كيف نحتفل؟ بل: ماذا سيتغير فينا بعد أن تنتهي المناسبة؟
فالأمم لا تتغير بكثرة الحديث عن القيم، وإنما حين تجد هذه القيم طريقها إلى تفاصيل الحياة؛ حين يصبح الصدق عادة، والأمانة سلوكاً، والرحمة طريقة في التعامل، والمسؤولية جزءاً من شخصية الإنسان.
وفي ذكرى مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لسنا بحاجة إلى أن نضيف إلى سيرته شيئاً؛ فسيرته باقية، وخُلقه عظيم، ورسالته ممتدة الأثر. الذي يحتاج إلى التغيير ليس السيرة، وإنما نحن.
فالمولد الحقيقي للسيرة في حياتنا ليس أن نتذكر مولده صلى الله عليه وسلم في كل عام، بل أن تتجدد فينا، مع كل ذكرى، رحمة أوسع، وصدق أعمق، وعدل أكثر حضوراً، ومسؤولية أكبر تجاه الإنسان والمجتمع والوطن.
بدأنا بالسؤال: كم بقي من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تفاصيل يومنا؟
وربما لا تحتاج الإجابة إلى كثير من الكلام؛ يكفي أن ننظر إلى طريقة تعاملنا مع من نحب، ومن نختلف معهم، ومن لا نملك منهم مصلحة.
هناك تحديداً… يظهر مقدار ما بقي من ذلك الهدي المحمدي.
فكم اقتربت أخلاقنا اليوم من ذلك الخُلق العظيم؟
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



















