+
أأ
-

نهاية «الشرق الأوسط الأميركي».. حرب إيران تعيد رسم النظام الإقليمي

{title}
بلكي الإخباري

تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة قد تكون الأكثر عمقًا في إعادة تشكيل نظامها الإقليمي منذ حرب الخليج عام 1991، مع تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض قواعد اللعبة التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية، وتصاعد توجه القوى الإقليمية نحو بناء تحالفات وترتيبات أمنية أكثر استقلالًا عن واشنطن.

هذه هي الأطروحة الرئيسية التي يطرحها أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، مارك لينش، في مقال نشرته مجلة فورين أفيرز في 18 أغسطس 2026 ضمن عدد سبتمبر/أكتوبر، إذ يرى أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، مقترنة بحرب غزة، وجهت «ضربة قاضية» إلى ما يسميه «الشرق الأوسط الأميركي»، أي النظام الإقليمي الذي بنته واشنطن بعد حرب الخليج عام 1991 حول حماية إسرائيل واحتواء خصومها الإقليميين.

وبحسب لينش، لا ينبغي النظر إلى حرب إدارة الرئيس دونالد ترامب على إيران باعتبارها خروجًا على النهج الأميركي السابق، بل بوصفها امتدادًا منطقيًا له في صورته القصوى. فالاستراتيجية نفسها، وفق قراءته، ظهرت قبل غزو العراق عام 2003 وفي الحروب الإسرائيلية ضد حزب الله وحماس، واعتمدت على الاعتقاد بإمكان إزالة التهديدات بضربة عسكرية حاسمة، مع المبالغة في تقدير قدرة القوة العسكرية على تحقيق نتائج سياسية دائمة.

أفول أميركي تدريجي

يستحضر لينش في تفسير التحول الراهن المقارنة بين حرب إيران وأزمة السويس عام 1956، التي مثلت نقطة مفصلية في تراجع النفوذ البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط. لكنه يحذر من فهم هذه المقارنة على أنها تعني انهيارًا أميركيًا فوريًا.

فبعد أزمة السويس، واصلت فرنسا حربها في الجزائر ست سنوات، وظلت بريطانيا القوة المهيمنة في الخليج حتى عام 1971. وبالقياس إلى ذلك، يرجح لينش أن يستمر الحضور الأميركي ونفوذه في المنطقة لسنوات، وربما تسعى بعض دول الخليج إلى تعزيز علاقاتها بواشنطن في المدى القريب بسبب غياب بدائل أمنية واضحة، لكن ذلك لا يعني، في رأيه، أن النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة لا يزال قابلًا للاستمرار على المدى الطويل.

ويفسر الكاتب جانبًا من أزمة هذا النظام بما يسميه «الخطر الأخلاقي» الذي أنتجته الضمانات الأمنية الأميركية. فشعور حلفاء واشنطن بأن الولايات المتحدة ستظل الضامن النهائي لأمنهم أتاح لهم، بحسب لينش، اتباع سياسات ومشاريع خاصة قد تتعارض أحيانًا مع المصالح الأميركية نفسها.

ويستشهد في هذا السياق بحصار السعودية والإمارات لقطر عام 2017، الذي يرى أنه أضعف حملة «الضغط الأقصى» الأميركية على إيران، وكذلك بمعارضة حلفاء عرب للاتفاق النووي الإيراني عام 2015 رغم أن إدارة باراك أوباما كانت ترى فيه وسيلة لتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الإقليمي.

تكتلات إقليمية جديدة

أحد أبرز التحولات التي يتوقف عندها المقال هو أن المنطقة بدأت، حتى قبل حرب إيران، تشهد تبلور تكتلات إقليمية لا تتمحور بالضرورة حول واشنطن.

وينقل لينش، استنادًا إلى تقارير لصحيفة وول ستريت جورنال، أن الإمارات نسقت مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة لضرب أهداف إيرانية خلال الحرب، فيما تابعت السعودية التقارب الإماراتي الإسرائيلي بقلق في ظل خلافات قائمة بين الرياض وأبوظبي بشأن سوريا واليمن.

وفي المقابل، يشير الكاتب إلى أن السعودية كانت قد بدأت، قبل اندلاع حرب إيران في نهاية فبراير 2026، العمل على تحريك تحالف يضم مصر وباكستان وقطر وتركيا لموازنة المحور الإماراتي الإسرائيلي المدعوم أميركيًا.

وبذلك، يرى لينش أن جذور إعادة الاصطفاف الإقليمي سبقت الحرب ولم تكن مجرد نتيجة لها، وهو ما جعل قدرة واشنطن على جمع القوى الإقليمية الكبرى خلف حملتها ضد إيران أكثر تعقيدًا.

أزمة الثقة بالضمانة الأميركية

لكن التحول الأهم، وفق المقال، يتعلق بنظرة دول الخليج إلى قدرة الولايات المتحدة نفسها.

يرى لينش أن صدمة دول الخليج لم تنتج فقط من عدم التشاور معها قبل الحرب، وإنما من أن المواجهة كشفت، من وجهة نظره، حدود القوة الأميركية: فالولايات المتحدة لم تتمكن من إسقاط النظام الإيراني أو زعزعته رغم القوة العسكرية المستخدمة، كما لم تستطع إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا، رغم أهميته الحيوية لاقتصادات الخليج.

ويذهب الكاتب إلى أن التصعيد كان يحمل مخاطر أكبر بكثير على دول المنطقة. فقصف الولايات المتحدة منشآت تخزين المياه الإيرانية، واستهداف إسرائيل مستودعات النفط، كان يمكن أن يدفع طهران إلى الرد على منشآت مياه أو مواقع نووية في الخليج، بما قد يقود إلى كارثة اقتصادية وبيئية واسعة.

ويخلص لينش إلى أن الرسالة التي استوعبتها دول الخليج هي أن الضمانات الأمنية الأميركية التي شكلت جوهر النظام الإقليمي طوال عقود لم تعد، في نظرها، بالدرجة السابقة من الموثوقية، وأن إصلاح هذا التصدع سيكون بالغ الصعوبة.

الخليج وإيران.. من الحماية إلى «الصفقات الجانبية»

إذا ترسخت هذه القناعة، يتوقع لينش أن تبدأ دول الخليج في البحث عن ترتيبات أكثر استقلالية، وفي مقدمتها عقد «صفقات جانبية» مباشرة مع إيران تضمن إبعادها عن دائرة الاستهداف، بدل الاعتماد الحصري على الردع والحماية الأميركيين.

كما يرجح أن يصبح التنافس السعودي الإماراتي على الزعامة الإقليمية أحد المحاور الرئيسية للسياسة الشرق أوسطية الجديدة، بحيث تتحول المنطقة تدريجيًا من نظام تدور تفاعلاته حول واشنطن إلى نظام تتنافس داخله قوى إقليمية متعددة على تشكيل موازين القوى.

ولا تقتصر تداعيات التحول على الدول المشاركة مباشرة في الحرب. فالمقال يشير إلى مصر مثالًا على الدول التي يمكن أن تتحمل تكلفة اقتصادية مرتفعة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والغذاء وتراجع إيرادات قناة السويس بسبب اضطرابات حركة الشحن العالمية.

ويحذر لينش من أن اجتماع الأزمات الاقتصادية الداخلية مع الغضب الشعبي المرتبط بحرب غزة قد يخلق بيئة لاحتجاجات جديدة في المنطقة، في سيناريو يقارنه بموجة احتجاجات عام 2011، وهو توقع تحليلي للكاتب وليس واقعة قائمة.

نظام أمني مختلف

لا يكتفي لينش بتشخيص تراجع النظام القديم، بل يقترح تصورًا لسياسة أميركية بديلة. وهو يستبعد أن تغير إدارة ترامب الحالية نهجها، لذلك يوجه توصياته أساسًا إلى إدارة أميركية مقبلة.

ويطالب بالتخلي عن التدخل العسكري باعتباره الخيار الأول، وعن النهج الذي يصفه بـ«الدبلوماسية بالغارات الجوية»، بل ويقترح عدم إعادة بناء القواعد الأميركية التي دُمرت في الخليج، باعتبار ذلك إشارة إلى تحول استراتيجي أوسع.

وفي المقابل، يدعو إلى تحويل الموارد الأميركية نحو تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز أنظمة الدفاع الصاروخي لدى الشركاء الخليجيين، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.

والأكثر أهمية أن لينش يدعو إلى دمج إيران دبلوماسيًا في منظومة أمنية إقليمية تكون لها مصلحة في استمرارها، بدل بناء النظام كله على فكرة احتواء إيران عسكريًا. ويستشهد في هذا السياق بتصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بشأن الاستعداد لـ«تحول جذري» في العلاقة مع طهران بعد التوصل إلى اتفاق جديد.

إعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل

يمتد التحول الذي يقترحه لينش إلى العلاقة الأميركية الإسرائيلية. ويستند إلى استطلاع لمؤسسة كوينيبياك في يونيو 2026 أظهر، بحسب المقال، أن نحو ثلثي الديمقراطيين وأكثر من نصف المستقلين الأميركيين يعتبرون الدعم الأميركي لإسرائيل مفرطًا، إلى جانب تصويت أكثر من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب خلال يوليو لمصلحة مشروع قانون لوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل.

ويرى الكاتب أن هذا التحول الداخلي يوفر أرضية لسياسة أميركية أكثر ضغطًا على إسرائيل، بهدف وقف الضم المتدرج للضفة الغربية وإنهاء تدخلاتها العسكرية في لبنان وسوريا. كما يدعو إلى تغيير السياسة الأميركية تجاه الحلفاء العرب عبر دعم إصلاح ديمقراطي حقيقي بدل استمرار معادلة التغاضي عن القمع السياسي مقابل الولاء الأمني.

في المحصلة، لا تعني «نهاية الشرق الأوسط الأميركي» في قراءة لينش اختفاء الولايات المتحدة من المنطقة أو انهيار نفوذها بين ليلة وضحاها. المقصود هو انتهاء المرحلة التي كانت فيها واشنطن قادرة على تنظيم النظام الإقليمي حول ضماناتها الأمنية وتحالفاتها، مع توقع انفتاح مرحلة أكثر تعددية واضطرابًا، تتحرك فيها السعودية والإمارات وتركيا وقطر ومصر وإيران وإسرائيل وفق حساباتها الخاصة، وتبحث عن تحالفات وترتيبات متغيرة بدل الاصطفاف داخل نظام واحد تقوده الولايات المتحدة.

وبهذا المعنى، تبدو حرب إيران في أطروحة لينش أقل أهمية باعتبارها حربًا منفردة من كونها نقطة تسريع لتحول بدأ قبلها: تراجع الثقة بالضمانة الأميركية، وبروز تكتلات إقليمية متنافسة، واتجاه دول المنطقة إلى بناء خياراتها الأمنية والسياسية بصورة أكثر استقلالًا. وقد لا تظهر النتائج الكاملة لهذا التحول سريعًا، تمامًا كما لم تختفِ الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية من الشرق الأوسط فور أزمة السويس، لكن الكاتب يرى أن «نقطة اللاعودة» ربما تم تجاوزها بالفعل