الشاحنات تتوقف.. والعامل وحده يدفع الثمن

كتبت شيرين قسوس
على الطريق الصحراوي، صفّت الشاحنات ولم يتحرك محرك واحد. لم يكن ذلك خيار السائقين، بل نتيجة أن الاستمرار بالشروط نفسها صار خسارة لا يقدر عليها أحد.
سائق يقضي ساعات طويلة خلف المقود، وشاحنة لا تشبع من الوقود والصيانة والإطارات، وأجرة رحلة لا تغطي شيئًا من ذلك. وبين هذا وذاك وسيط يعصر السعر، والسائق يعرف أنه إن رفض فسيجد من يقبل مكانه. هكذا تُدار اللعبة: هناك من يستغل حاجة المواطن إلى العمل ليخفض أجره، ويُترك العامل بلا حماية، ثم يُطلب منه أن يصمت.
هذه الفجوة بين الكلفة والدخل ليست حبرًا على ورق. إنها تصل إلى بيت السائق مباشرة: إلى قدرته على إعالة أسرته، وإلى بقائه في مهنته أصلًا. والأرقام لا ترحم، فرئيس نقابة أصحاب الشاحنات، محمد خير الداود، يؤكد أن الوقود يبتلع نحو 60% من كلفة تشغيل الشاحنة. ومع نسبة كهذه، لا يعود ربط الأجرة بسعر الوقود تفصيلًا تنظيميًا، بل مسألة بقاء.
ولهذا يرفع العاملون مطالبهم عاليًا: رفع أجور النقل وربطها تلقائيًا بأسعار المحروقات، وتشديد الرقابة على شركات التخليص والوسطاء المتلاعبين، وفرض عقوبات على المخالفين، واعتماد الأجرة المذكورة في وثيقة النقل، وإنشاء مكتب لصرف أجور العاملين في نقل الحاويات، ورفع أجور نقل البضائع الواردة عبر السفن. خلف كل مطلب منها قصة واحدة: عامل يتحمل مشقة الطريق وكلفة العمل، ثم يُترك وحيدًا حين يحين وقت الدفع.
على الوسطاء وشركات التخليص أن يلتزموا بالأجور، وألا يستغلوا حاجة المواطن إلى العمل ليبتزوه في أجره ويخفضوا السعر على حسابه. لكن القواعد بلا جهة تفرضها ليست سوى كلام. وهنا تقع المسؤولية على الحكومة، لأنها تملك أدوات تنظيم القطاع والرقابة على الأجور، ولا عذر لمن يملك الأداة ثم يتفرج. فحماية العامل لا تكتمل بتحديد الأجرة على الورق، بل بأن يقبضها فعلًا، وبأن يُمنع كل طرف أقوى منه في سلسلة النقل من سرقة جزء منها.
ليس الإضراب مجرد أزمة في حركة النقل. خلف كل شاحنة متوقفة عامل ينتظر دخلًا عادلًا، وصاحب شاحنة يتمسك بمصدر رزقه، وقطاع كامل يختنق تحت كلفة التشغيل. وإنهاء الإضراب دون معالجة أسبابه يعني أن نقول للعامل: عد إلى المشكلة نفسها التي أوقفتك.
الحل يبدأ من حيث بدأ الوجع؛ أجر يواكب كلفة العمل، ورقابة تمنع الضغط على الحقوق، وآلية واضحة تحمي الدخل من تقلب الكلفة. عندها فقط تعود الشاحنات إلى الطريق وقد حُلّت الأزمة فعلًا، لا أُخفيت مؤقتًا.



















