حسين بني هاني : انسحاب القوات الامريكية من العراق

مجدولٌ منذ عهد الرئيس بايدن ، يُنفّذ اليوم في ظرف ٍ حساس ، للطرفين الامريكي والعراقي ، إذ تشهد المداولات اليومية فيه ، حرباً أمريكية ضد مكوّن طائفي آخر ، على الضفة الأخرى للخليج . يعتبره البعض انتصارا لمحور المقاومة ، ويُشعِرْ الجماعات الوكيلة بمزيد من القوّة ، سردية نصر ترامب على إيران ، تثير حفيظة حلفاء طهران في بغداد ، وتجعلهم أكثر تشدّدا ، خاصة في ظل لهجة ترامب ضد إيران ، هذا جعلهم أكثر رفضاً لتسليم سلاحهم للحكومة ، وصعّب موقف الرئيس الزيدي في بغداد أمام واشنطن ، تكرار سردية النصر على طهران ، زادت من سخونة الحكايا العراقية الساخرة حولها لدى الطائفة الموالية ، بل جعلت ذاكرة الشامتين تحفظ ما تراكم منها عبر الشهور الماضية ، وجعل التناسب في العلاقات ، بين واشنطن وبغداد يمضي طردياً معها ، بل مرتبطاً بمجريات الحرب الأمريكية على طهران ، إذ بات يصعب على أطراف شيعية مشاركة في الحكومة ، ممالأة الموقف الامريكي حيال العدوان على طهران .
هذا انسحاب ، يأتي في ظل سرد الرئيس ترامب المتواصل ، لضعف واستسلام طهران ، ردّت عليه الفصائل العراقية الموالية لإيران ، بلغة حافلة بالتحدي ، إعمالا لفكرة ولاية الفقيه ، والارتباط الوثيق بطهران ، مشفوعا هذه المرة ببنية عقائدية وعسكرية ، ترفض سياسة رئيس الحكومة ، الهادفة لتسليم السلاح للسلطة العراقية بأي ثمن ، أو ثنيها عن تأييد طهران كما تريد واشنطن ، بل أستدعى سرداً إيرانياً جديداً ، تعتقد طهران أنه وليد تحوّل في الموقف الامريكي ، أحدثه عجز ترامب عن حسم الصراع عسكرياً .
تدرك طهران أن ثمة تحوّلات كبرى ، قد أحدثتها المواجهة على ضفّتي الخليج ، وأن خطاب النصر المكرر للرئيس ترامب ، لم يعد سوى محاولة لاختزال هذه التحولات التي أحدثها هذا الزلزال ، وزادها هذا الانسحاب ثقة بمواصلة التحدي ، رغم معرفتها بأنه متفق عليه أصلاً ، إذ بدت إدعاءات ترامب وفق زعماء طهران ، وكأنها أساطير الاوّلين ، بل شكّلت رؤية جديدة ، ليس لزيادة نفوذها في العراق وحسب ، وإنما للسيطرة على مضيق هرمز تماما ، مقابل استعدادها غير المحدود للمواجهة .
تنظر إيران لإنسحاب هذه القوات ، بعيون المنتصر في العراق ، بعد إنفاق واشنطن هناك ما يقارب ١،٧ تريليون دولار منذ احتلالها للعراق ، وازدياد قبضة المليشيات الداعمة لها على مفاصل الحكم في بغداد ، تلك القبضة ، التي يعرف ترامب بأنه لا طائل لرئيس الحكومة العراقية ، من احتوائها أو نزع سلاح فصائلها ، كون ممثلي هذه الجماعات المسلّحة ، يشكّلون معظم المناصب العليا في حكومة الزيدي ، فضلاً عن امتلاكها عشرات المقاعد في البرلمان العراقي ، هذا وحده دفع الحكومة العراقية ، لتأجيل الموعد النهائي السابق ، لنزع سلاح الميليشيات ، إلى العام القادم ، إدراكاً منها لصعوبة تنفيذ هذا الأمر اليوم ، خلافاً لما تريده واشنطن .
هذا حالٌ ، أظنّ أنه سيبقى قائماً ، بل ستملأه طهران بنفوذ جديد وغير محدود لها في بغداد ، إن وقع ذلك ، فسوف يشكل انتصاراً مرحلياً مدوياً لإيران في صراعها مع واشنطن ، في ظلّ وجود مسؤولين موالين لها في الحكومة والبرلمان .
لن يتجاوز ترتيب البيت العراقي بعد الانسحاب بأية حال ، نفوذ الطائفة الشيعية ، ولن يخلو من المفارقات المزعجة لواشنطن ، هذا سيجعل موقف طهران أكثر صلابة في تحديها للرئيس ترامب ، وسيضيّق المساحة المتبقية له ، في مفاوضاته المضنية مع إيران ، تلك التي ستبقى خيوطها مرهونة بيد المتطرفين ، الأمر الذي سيصّعب فكّ أسرها ، وسيجعلها محصورة بين خيارين فقط ، التنازل وإنجاح الوساطة ، أو استئناف الحرب ضد إيران



















