عصام سواقد : من ذاكرة شطنا – الحلقة السابعة

الخبز والطحين… من حبة القمح إلى رغيف الطابون
في شطنا القديمة، لم يكن الخبز مجرد طعام يوضع على المائدة، بل كان جزءًا من حياة البيت اليومية، وذاكرة تختزن تعب الفلاح، وجهد الأم، ورائحة الطابون التي كانت تملأ البيت والحارة دفئًا وألفة.
كانت رحلة الرغيف تبدأ من حبة القمح في الأرض، ثم حصادها ودرسها وتخزينها، لتبدأ بعد ذلك رحلة أخرى: من القمح إلى الطحين، ومن الطحين إلى العجين، ومن العجين إلى رغيف ساخن يخرج من الطابون أو الصاج.
من القمح إلى الطحين
كان المطحنة / البابور المكان الذي يُرسل إليه القمح لطحنه وتحويله إلى دقيق.
وقبل انتشار المطاحن الحديثة، كانت هناك طرق وأدوات أبسط لجرش الحبوب، ومنها الجُرن، وهو وعاء حجري كبير كان يُستخدم لجرش القمح وسحقه.
وبعد طحن القمح يأتي دور المنخل / الغربال، وهو أداة خشبية مشدودة عليها شبكة دقيقة، تُستخدم لتصفية الطحين وفصل الشوائب والأجزاء الخشنة عنه.
أما ما يتبقى في المنخل من القشور الخارجية لحبة القمح فيُعرف باسم النخالة، وكانت تستعمل أيضًا في علف الحيوانات.
والبرغل
وللقمح طريق آخر غير طريق الطحين.
فكان القمح يُسلق ثم يُجفف، وبعد ذلك يُجرش لصناعة البرغل، الذي كان من أهم مواد المؤونة في البيوت.
التنميش : قيل جرش البرغل كان يبلل بقليل من الماء وتسمى هذه العمليه التنميش
وهكذا كانت حبة القمح الواحدة يمكن أن تتحول إلى أكثر من مؤونة: طحينًا للخبز، وبرغلًا للطعام، ونخالةً تستفيد منها الحيوانات.
وكان الطحين يوضع في اللقان / اللجن، وهو وعاء معدني كبير واحيانا يصنع نم النحاس وعميق يُستخدم لعجن الطحين.
تُضاف إليه المياه والملح، وتبدأ عملية العجن باليد حتى تتماسك العجينة وتصبح جاهزة للخبز.
الخميرة البلدية
كانت الخميرة البلدية تختلف عن الخميرة الفورية المعروفة اليوم.
فكانت المرأة تحتفظ بقطعة صغيرة من عجين سابق، تتركها حتى تتخمر، ثم تستخدم منها جزءًا لتخمير العجنة الجديدة.
وبذلك كانت الخميرة تنتقل من عجينة إلى أخرى، وكأن كل عجنة تحمل شيئًا من العجنة التي سبقتها.
الفطير ( العويص)
وفي المقابل كان هناك الفطير، وهو العجين الذي لم توضع عليه الخميرة، أو الخبز الذي يُخبز مباشرة دون انتظار تخميره.
القرصة / الكُرة
بعد تجهيز العجين تبدأ مرحلة تقطيعه.
وكانت قطعة العجين الدائرية التي تُقطع من العجينة الكبيرة تُعرف باسم القرصة أو الكُرة، وهي التي تُجهز قبل رقّها وفردها لتصبح رغيفًا.
الشوبك
ومن الأدوات المرتبطة بهذه المرحلة الشوبك، وهو عصا خشبية أسطوانية تُستخدم لفرد العجين وتمليسه، حتى تصبح القرصة رقيقة ومهيأة للخبز.
كان الطابون ( الفرن) من أشهر الأفران التراثية في البيوت.
وهو فرن يُصنع من الطين الأصفر والقش، ويكون مدفونًا في الأرض، وله غطاء معدني. وكان يحتاج إلى خبرة في إشعاله وتجهيزه ومعرفة الوقت المناسب لوضع الخبز فيه.
الرَّضف / الرَّضاف
ومن أهم ما يميز خبز الطابون الرَّضف أو الرَّضاف، وهي الحجارة الصغيرة الملساء أو الحصى التي توضع داخل فرن الطابون لتسخن، ثم يُفرد العجين فوقها.
وكان اختيار الحجارة جزءًا من خبرة أهل البيت، لأنها تتعرض لحرارة عالية، ويُراد لها أن تحفظ الحرارة وتساعد على نضج الرغيف.
القَصل / الزِّبل (الجله)
أما النار التي تسخن الطابون فكان وقودها يُعرف باسم القَصل / الزِّبل، ويتكون من بقايا القش أو روث الحيوانات المجفف.
وكان هذا الوقود يساعد على المحافظة على نار هادئة ومستمرة، وهو من المواد المتوفرة في البيئة الزراعية للقرية.
المقحار
ومن أدوات الطابون المحراك / المقحار، وهو عصا من الحديد أو الخشب تُستخدم لتحريك الحصى أو الرضف، وكذلك لتنظيف رماد الطابون.
المِقلاع
ومن أدوات الخَبز أيضًا المِقلاع، وهو أداة معدنية طويلة ذات انحناء في طرفها، تُستخدم لإخراج الخبز من داخل الطابون بعد نضوجه.
الميزر / الوصلة
أما الميزر / الوصلة فهي قطعة قماش نظيفة تُستخدم لتغطية العجين حتى يرتد ويخمر، أو لتغطية الخبز الساخن بعد نضوجه حتى يحافظ على طراوته.
المنسفه او الصينيه : وهي مصنوعه من قصل القمح تصنعنا نساء القريه ايام البيادر من سيقان القمح وتسمى العمليه التقصيل وثم تبديه النساء بعده احجام منسفه وصينيه وقبعه وهي اصغرهم
والصاج :
ولم يكن الطابون الوسيلة الوحيدة للخبز.
فهناك الصاج، وهو صفيحة معدنية دائرية ومحدبة، تُشعل النار تحتها، ويُفرد عليها العجين لخبز الرقاقات.
ومن أشهر ما ارتبط بالصاج خبز الشراك، أو القرصان، وهو خبز رقيق جدًا، عُرف في المطبخ الأردني، وارتبط خصوصًا بإعداد وجبة المنسف.
وكان إعداد خبز الشراك يحتاج إلى مهارة في فرد العجين، إذ تُمد الرقاقات حتى تصبح رقيقة جدًا، ثم توضع على الصاج الساخن لتخبز بسرعة.
وللخبز في مطبخ شطنا أشكال متعددة، لم تكن كلها مجرد أرغفة، بل دخل العجين في أكلات تراثية كثيرة.
خبز الطابون
كان خبز الطابون من أشهر أنواع الخبز، ويتميز بسماكته وطريقة نضجه فوق حجارة الرضف الساخنة، مما يعطيه طابعًا ونكهة مميزة مرتبطة بالطابون والحطب والدخان.
خبز قزحة
ومن أنواع الخبز خبز قزحة، وهو خبز يُعجن مع حبة البركة، أو القزحة، ويضاف إليه زيت الزيتون، فيتميز بلونه الداكن وطعمه الغني.
وكان اجتماع القزحة وزيت الزيتون مع الخبز يجمع بين مكونات بسيطة من البيئة الزراعية المحلية.
المطابق : ومن المأكولات المرتبطة بالعجين المطابق ، وهي عجينة تُفرد وتُدهن بزيت الزيتون، ثم تُطوى عدة مرات لتتكون طبقات مورقة، وبعد ذلك تُخبز على الصاج أو في الفرن.
وهي صورة أخرى من براعة أهل المنطقة في تحويل مكونات بسيطة إلى طعام غني ومشبع.
المكمورة
ولا يمكن الحديث عن العجين ومائدة شطنا دون ذكر المكمورة، وهي أكلة تراثية معروفة في شطنا.
تتكون من طبقات متعددة من العجين المرقوق، وبينها الدجاج والبصل المطهو بزيت الزيتون البلدي، ثم تُخبز حتى تتداخل النكهات وتتماسك الطبقات.
وكانت مثل هذه الأكلات تظهر بصورة خاصة في المناسبات والجمَعات العائلية، حيث يتحول إعداد الطعام إلى مناسبة تجمع أهل البيت حول عمل مشترك.
ولهذا كان الخبز قديمًا أكثر من مجرد غذاء؛ كان ثمرة الأرض وتعب أهل البيت وذاكرة القرية.
وربما لهذا بقيت رائحة الخبز الساخن في ذاكرة أبناء شطنا حتى اليوم؛ رائحة الطابون، ورائحة زيت الزيتون، ورائحة القمح، ورائحة البيت عندما كانت الأمهات يخبزن للعائلة.
هذه المفردات: المطحنة، البابور، الجرن، الغربال، النخالة، القمح المصلّق، اللقان، الخميرة البلدية، الفطير، القرصة، الكُرة، الشوبك، الطابون، الصاج، الرضف، الرضاف، القصل، الزبل، المحراك، المقحار، الميزر، الوصلة والمقلاع، ليست مجرد أسماء لأدوات ومواد قديمة؛ إنها جزء من ذاكرة شطنا، ومن حياة جيل عرف كيف يحوّل خيرات الأرض إلى مؤونة وطعام.
ولكل من أبناء شطنا كلمة أو اسم أداة أو نوع خبز أو أكلة تراثية لم نذكرها، نرجو أن يضيفها في التعليقات، حتى نكمل معًا هذه الذاكرة ونوثقها كما عاشها أهلنا، قبل أن تضيع بعض تفاصيلها مع مرور الزمن.
فمن ذاكرة شطنا… نحفظ الحكاية، كلمةً بعد كلمة، ورغيفًا بعد رغيف.
ودمتم بخير



















