ياغي يكتب ..المواطنة تبدأ من الشارع… حين يصبح احترام الآخرين مسؤولية غائبة .!

د.مصطفى ياغي – عمان – 18-10-2026
ليست المواطنة مجرد هوية نحملها، ولا شعارات نرددها في المناسبات الوطنية، وإنما ثقافة تنعكس على سلوك الإنسان في تفاصيل حياته اليومية، وفي الطريقة التي يتعامل بها مع الآخرين ويحترم حقوقهم. ولعل ما نحتاج إليه اليوم، ونحن نتحدث عن بناء مجتمع أكثر وعياً وتحضراً، هو أن نعيد النظر في بعض السلوكيات التي أصبحت مألوفة في حياتنا، رغم ما تنطوي عليه من استهتار بحقوق الناس وغياب للشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع.
اليوم، وبينما كنت أقود سيارتي، استوقفني مشهد لمركبة من نوع (جي ام سي ) متوقفة عند إشارة ضوئية، تغلق أحد مسارات الشارع وتعيق حركة السير، فيما كان سائقها قد غادرها لقضاء حاجة شخصية، دون اكتراث بالمركبات التي تنتظر خلفه أو بالمصالح التي يعطلها. وبعد فترة قصيرة، وفي منطقة أخرى، تكرر المشهد أمامي مع مركبة بيضاء من نوع «فورد فيوجن»، أُوقفت بطريقة أغلقت الشارع تماماً. مشهدان في يوم واحد، لكنهما ليسا سوى نموذج لسلوكيات نشاهدها باستمرار، حتى بات البعض يتعامل معها وكأنها أمر طبيعي لا يستحق التوقف عنده .
والحقيقة أن ما أثار استيائي لم يكن مجرد إغلاق الطريق، وإنما ذلك الغياب الواضح للشعور بالآخرين. فما الذي يدفع إنساناً إلى الاعتقاد بأن من حقه تعطيل حركة شارع بأكمله من أجل شراء سلعة أو قضاء حاجة شخصية؟ ومن الذي منحه الحق في التصرف بأوقات الناس ومصالحهم وكأنها أقل أهمية من حاجته؟ إن المشكلة هنا تتجاوز المخالفة المرورية إلى ثقافة تجعل المصلحة الفردية تتقدم على الحق العام، وتكشف عن خلل في فهم أبسط قواعد العيش المشترك.
ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل أن بعض هذه الممارسات تحدث أمام المساجد، حين يترك أحدهم مركبته بطريقة تعيق حركة السير، ثم يتوجه لأداء الصلاة، غير مكترث بما تسبب به من أذى للآخرين. وهنا يبرز سؤال أخلاقي لا بد من طرحه: كيف يسعى الإنسان إلى التقرب من الله بالعبادة، وهو في الوقت ذاته يتسبب بالأذى لعباده؟ وكيف نحرص على أداء الصلاة، ثم نتجاهل حقوق الناس التي أمرنا ديننا باحترامها؟ أليست إماطة الأذى عن الطريق صدقة؟ وأليس من أبسط معاني التدين أن نكف الأذى عن الآخرين؟ إن هذا التناقض بين ما نؤمن به وما نمارسه يستحق مراجعة صادقة، فالأخلاق ليست منفصلة عن العبادة، والقيم التي لا تنعكس على سلوك الإنسان تبقى ناقصة الأثر، مهما أكثرنا من الحديث عنها.
ولا تقف هذه المشاهد عند حدود إغلاق الطرق وتعطيل مصالح المواطنين، بل تمتد إلى سلوكيات أخرى تؤلمني شخصياً كلما شاهدتها، وفي مقدمتها إلقاء النفايات من نوافذ المركبات بصورة عشوائية، دون أدنى احترام لنظافة المكان أو للجهود المبذولة للمحافظة عليه. وما زالت عالقة في ذهني نظرات حزينة شاهدتها على وجوه بعض عمال الوطن، وهم يرون سائقين يلقون مخلفاتهم في الشارع أمام أعينهم، وكأن تعب هؤلاء العمال لا يستحق التقدير، وكأن المحافظة على نظافة مدينتنا مسؤوليتهم وحدهم.
وما أصعب أن ترى إنساناً يقضي ساعات طويلة من يومه في تنظيف الشوارع، ثم يأتي من يتعامل مع جهده بكل هذا الاستخفاف. فالمسألة لا تتعلق بورقة تُرمى أو علبة تُلقى من نافذة مركبة فحسب، وإنما باحترام كرامة الإنسان وقيمة العمل. ولست أدري كيف يستطيع البعض أن يلقي مخلفاته أمام عامل نظافة، ثم يمضي في طريقه دون أن يشعر بأنه أساء إلى إنسان يستحق منا جميعاً الاحترام والتقدير.
هذه المشاهد، على بساطتها الظاهرة، تضعنا أمام تساؤل أكبر عن مفهوم المواطنة الذي نريد ترسيخه في مجتمعنا. فنحن نتحدث كثيراً عن الانتماء وحب الوطن، لكن الانتماء لا يُقاس بحجم الكلمات التي نقولها، وإنما بمقدار المسؤولية التي نتحملها تجاه هذا الوطن وأبنائه. ومن المفارقات أن نجد من يتحدث بحماسة عن الوطنية، ثم لا يتردد في إغلاق شارع أو تلويث مكان عام أو الاعتداء على حقوق الآخرين، وكأن الوطن الذي نحبه في أحاديثنا ليس هو ذاته الذي نعيش فيه ونستخدم مرافقه كل يوم.
ومن هنا، أعتقد أن تعزيز قيم المواطنة وإعادة بناء السلوك المدني يجب أن يشكلا أولوية حقيقية في مشروعنا المجتمعي، تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة، وتمتد إلى المؤسسات العامة ووسائل الإعلام. فنحن بحاجة إلى ثقافة تربوية تعلّم الإنسان منذ طفولته أن الطريق حق للجميع، وأن احترام عامل الوطن جزء من احترام المجتمع، وأن المحافظة على الممتلكات والمرافق العامة واجب لا يقل أهمية عن المطالبة بالحقوق، وأن حرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حقوق الآخرين.
وبطبيعة الحال، لا يمكن أن نحمّل المؤسسات التربوية وحدها مسؤولية تصحيح هذه السلوكيات، فالقانون أيضاً يجب أن يكون حاضراً من خلال تطبيق عادل وحازم للأنظمة التي تحمي حقوق المواطنين وتحافظ على النظام العام. غير أن القانون، مهما بلغت صرامته، لن يكون بديلاً عن الضمير والوعي؛ فالمجتمع المتحضر ليس ذلك الذي يلتزم أفراده بالنظام خوفاً من العقوبة فحسب، بل الذي يحترمون فيه حقوق بعضهم حتى عندما تغيب الرقابة.
إننا نستثمر في تطوير المدن وتوسعة الشوارع وتحسين الخدمات والبنية التحتية، وهي جهود مهمة وضرورية، لكن الاستثمار في بناء الإنسان لا يقل عنها أهمية. فما جدوى الشوارع الواسعة إذا كان هناك من يغلقها دون اكتراث؟ وما قيمة المدن النظيفة إذا كان بيننا من يصر على تلويثها؟ وكيف نتطلع إلى مجتمع أكثر تقدماً إذا كنا ما زلنا نختلف في أبسط قواعد احترام الآخرين؟
وليس المقصود من الحديث عن هذه السلوكيات التعميم على مجتمعنا، الذي يزخر بالنماذج الإيجابية والمشرفة، وإنما التنبيه إلى أن الممارسات السلبية، مهما بدت صغيرة، تترك أثراً كبيراً في حياتنا المشتركة، وأن اعتيادها والسكوت عنها يجعلانها أكثر قبولاً وانتشاراً. ولهذا، فإننا بحاجة إلى مراجعة ثقافية وتربوية جادة، تعيد الاعتبار إلى المواطنة باعتبارها مسؤولية أخلاقية وسلوكاً يومياً، لا مجرد انتماء نتغنى به.
إن الأوطان لا تُبنى بالإسمنت والحجارة وحدهما، وإنما تُبنى أيضاً بوعي الإنسان وأخلاقه واحترامه للآخرين. وليس من المنطق أن نطالب بوطن أكثر تنظيماً وتقدماً، فيما نسمح لأنفسنا بممارسة سلوكيات تعاكس كل ما نطالب به. فالمواطنة تبدأ من احترام وقت إنسان لا نعرفه، ومن الامتناع عن إغلاق طريق يحتاج الآخرون إلى عبوره، ومن تقدير عامل وطن قد لا نلتقيه مرة أخرى.
ولعل أول ما ينبغي أن نعيد بناءه ليس شوارعنا ولا مدننا، وإنما سلوكنا تجاه بعضنا بعضاً؛ فالوطن الذي نحبه بالكلمات يستحق أن نحترمه بالأفعال.


















