طلال البواعنة يكتب:-غادرتُ الموقع... ولم أغادر الرسالة

مضى على تقاعدي عدة شهور، وهي مدة قصيرة إذا قيست بثلاثة عقود من العمل والمسؤولية، لكنها كانت كافية لأطرح على نفسي سؤالاً ربما يواجه كل من أمضى سنوات طويلة في خدمة الدولة: ماذا يبقى من الإنسان عندما يغادر موقعه؟ وهل تنتهي علاقته بمؤسسته ووطنه بانتهاء صفته الوظيفية؟
بالنسبة لي، لم يكن العمل في جهاز المخابرات – المؤسسة الوطنية المرموقة - مجرد وظيفة، ولم أنظر إلى نفسي يوماً باعتباري موظفاً يؤدي واجبات محددة فقط. كنت، مثل كثيرين ممن تشرفت بالعمل معهم، أحمل رسالة الدولة؛ وهي رسالة أوسع من الوظيفة، وأقدس من المنصب، ولا تنتهي بقرار التقاعد.
فالوظيفة لها بداية ونهاية، والرتبة تزول، والمكتب ينتقل إلى شخص آخر، لكن القيم التي تشكّلت عبر سنوات العمل لا ينبغي أن تُحال إلى التقاعد مع صاحبها. فالانتماء للدولة، والولاء لمؤسساتها، والحرص على أمنها واستقرارها وسمعتها، ليست امتيازات مرتبطة بموقع وظيفي، وإنما مسؤولية تستمر بعد مغادرته.
ولعل من أهم الإشارات التي ينبغي التوقف عندها ما عبّر عنه جلالة الملك عبدالله الثاني في أكثر من مناسبة من استغراب تجاه بعض المسؤولين الذين لا يبدأون بانتقاد الأداء وكشف مواطن الخلل إلا بعد مغادرتهم مواقعهم. وهي إشارة عميقة تتجاوز مسألة النقد بحد ذاتها إلى سؤال أخلاقي أكبر : إذا كنت ترى الخلل وأنت في موقع المسؤولية، فلماذا لم تعمل على إصلاحه؟ ولماذا يصبح صوتك أعلى بعد أن تفقد الموقع؟
ومن هنا أرى أن المتقاعد من العمل العام، خاصة المؤسسات السيادية، مناط به دور ومسؤولية لا تقل أهمية عن بعض أدواره السابقة، لا بل قد يتعداها احياناً لأنه يصبح أكثر إندامجاً مع المجتمع، ويكون لحديثه مصداقية أعلى نسبياً، فالموظف الموجود في عمله قد يفسر البعض دفاعه عن مؤسسته باعتباره جزءاً من مقتضيات الوظيفة أو سعياً للحفاظ على موقعه، أما من غادر الموقع ولم يعد ينتظر ترقية أو منصباً أو مكافأة، فإن شهادته تصبح خالية من شبهة المصالح الضيقة.
وهنا تحديداً تبدأ مسؤولية جديدة تتمثل في موقف أخلاقي أكثر منه التزاماً وظيفياً ، بحيث يتحول المتقاعد إلى سفير لقيم الدولة ورسالتها، لا إلى شاهد متذمر على مرحلة مضت.
وبالنسبة لمن خدم في مؤسسة راسخة كدائرة المخابرات، فإن الوفاء للمؤسسة لا يعني الكشف عما يجب أن يبقى محمياً ومحصناً، ولا الحديث عما اؤتمن عليه الإنسان بحكم موقعه؛ فالأمانة لا تنتهي بالتقاعد. لكنه يعني أن يكون قادراً على الحديث، ضمن الحدود التي تفرضها المسؤولية، عن قيمة هذه المؤسسة في حماية الدولة، وعن ثقافة الالتزام والتضحية التي تقوم عليها، وعن رجال ونساء يعمل كثير منهم بعيداً عن الأضواء، ولا يعرف المجتمع حجم ما يتحملونه من مسؤوليات وغياب مستمر عن البيت والعائلة.
النقطة المفصلية الأخرى التي تتقاطع مع مسؤولية الدفاع عن ثوابت الدولة وتعزيز الثقة بمؤسساتها، تتمثل في عدم التقوقع في الماضي والبحث عن إعادة إنتاج الذات. وهذه، في تقديري، واحدة من أصعب مراحل الانتقال وأكثرها أهمية لأنها مسؤولية المتقاعد نفسه وكيفية تحويل المعرفة والخبرة إلى قيمة مضافة.
لدينا في الأردن رصيد كبير من الخبراء الذين راكموا خبرات استثنائية. وإذا بقيت هذه الخبرات حبيسة الذكريات والجلسات الخاصة، فإن الدولة والمجتمع يخسران جزءاً مهماً من رأس المال الوطني. أما إذا وجد أصحابها الطريق إلى الحياة المدنية، فإن التقاعد يتحول من نهاية مسار إلى مرحلة ثانية من الخدمة العامة، ولكن بأدوات مختلفة (المقالات التخصصية، التدريب ، التحليل الاستراتيجي،..)
بعد عدة شهور من التقاعد، لا أشعر أنني أغلقت باباً خلفي بقدر ما أشعر أنني انتقلت من مساحة إلى أخرى. خرجت من مؤسسة أعتز بأنني أمضيت فيها جزءاً كبيراً من حياتي، لكنني لم أخرج من منظومة القيم التي تعلمتها فيها، ولم أتقاعد من واجبي تجاه الدولة.
لقد انتهت الوظيفة، نعم؛ لكن الرسالة لم تنتهِ ، فالأوطان لا تحتاج أبناءها فقط وهم على رأس عملهم، بل تحتاج حكمتهم وخبرتهم واتزانهم بعد أن يغادروا مواقعهم أيضاً.


















