سباق مع الزمن.. كيف يحاول سكوت بيسنت كبح جماح عوائد السندات الامريكية؟

يخوض وزير الخزانة الامريكي سكوت بيسنت معركة صامتة ومكثفة لتهدئة الاضطرابات في سوق سندات الخزانة التي تشهد ارتفاعات حادة في العوائد. وتاتي هذه التحركات في وقت تعاني فيه الاسواق من ضغوط متراكمة ناتجة عن العجز المالي الضخم ومخاوف التضخم المستمرة اضافة الى التوترات الجيوسياسية التي فاقمت من تكاليف الاقتراض على الحكومة والشركات والافراد على حد سواء. واظهرت استراتيجية بيسنت الاخيرة تحولا في لغة وزارة الخزانة تجاه اصدارات الديون والتدخل لدعم الين الياباني كخطوة غير مباشرة لحماية استقرار سوق السندات الامريكية من عمليات البيع المكثفة.
واكد مراقبون في وول ستريت ان هذه التحركات ليست مجرد صدفة بل تعكس قلقا عميقا في واشنطن من وصول عوائد السندات طويلة الاجل الى مستويات تاريخية لم تشهدها منذ عقدين تقريبا. وبينت المعطيات ان عائد السندات لاجل عشر سنوات ظل يحوم حول مستويات حرجة تتجاوز ما كانت عليه الامور عند بداية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب مما دفع بيسنت للبحث عن ادوات للسيطرة على هذا الصعود المقلق قبل ان يخرج عن نطاق السيطرة.
واضاف محللون ان التغيير اللافت في صياغة بيانات الوزارة بشأن الاصدارات المستقبلية من كلمة زيادات الى تغييرات يعد اشارة واضحة للمستثمرين بان الادارة قد تلجأ لخفض المعروض من السندات طويلة الاجل. وشدد هؤلاء على ان استطلاعا حديثا اظهر ان غالبية المتعاملين يتوقعون الان خفضا في حجم مزادات الثلاثين عاما بدلا من الزيادة التي كانت متوقعة سابقا في محاولة لتحقيق توازن في العرض والطلب.
استراتيجية التهدئة وادوات السيولة
وكشفت التحركات الاخيرة عن تنسيق وثيق لضمان استقرار السيولة حيث سعى بيسنت الى توسيع تسهيلات اعادة الشراء للاطراف الدولية. واوضحت هذه الخطوات ان الهدف هو تمكين البنوك المركزية الاجنبية من الحصول على الدولار مقابل سندات الخزانة التي تمتلكها دون الحاجة لبيعها في السوق المفتوحة وهو ما يخفف الضغط البيعي عن السندات الامريكية في اوقات الازمات.
وبين بيتر بوكفار كبير مسؤولي الاستثمار في احدى المؤسسات المالية الكبرى ان السوق وصلت الى حالة من الهشاشة جعلت واشنطن تتدخل بفعالية لتشجيع المستثمرين الاجانب على التمسك بحيازاتهم. واشار الى ان هذه التدخلات تاتي كحائط صد اولي لمنع حدوث انهيار في اسعار السندات التي تعد العمود الفقري للنظام المالي العالمي.
واكد خبراء الاقتصاد ان هذه الادوات تظل مسكنات وقتية لمشكلة هيكلية اعمق تتعلق بالانفاق الحكومي المفرط. واضافوا ان العجز السنوي الذي يقترب من تريليوني دولار يفرض واقعا صعبا حيث لا يمكن لاي تدخلات فنية ان تعوض غياب الثقة في مسار التضخم الذي ظل بعيدا عن هدف الفيدرالي لسنوات طويلة.
تحديات الاقتصاد الكلي ومستقبل العوائد
واوضح جون فيليس خبير الاقتصاد الكلي ان المهمة تظل معقدة للغاية في ظل استمرار الحرب والسياسات المالية التوسعية. واظهرت البيانات الاخيرة لسوق العمل حساسية السندات المفرطة للمؤشرات الاقتصادية حيث شهدت العوائد تراجعا مؤقتا بعد ظهور بيانات تشير الى ضعف التوظيف مما يبرز ان العوامل الاساسية للاقتصاد تظل المحرك الاول والاخير.
وكشفت بريا ميسرا مديرة المحافظ في احدى الشركات الكبرى ان الاطراف المعنية في الخزانة والاحتياطي الفيدرالي يدركون تماما ان استقرار العوائد الطويلة الاجل هو مقياس النجاح الاقتصادي الحقيقي. واضافت ان اي تراجع في التضخم مستقبلا قد يكون العامل الحاسم في تخفيف الضغوط بعيدا عن التدخلات الادارية التي يقوم بها بيسنت حاليا.
وبين بيسنت في تصريحات سابقة انه يعتبر نفسه اكبر بائع للسندات في البلاد مؤكدا ان خفض العوائد يمثل اولوية قصوى لضمان استقرار اسواق الرهن العقاري والائتمان. ويبقى الرهان الاخير على قدرة الادارة الامريكية في اقناع الاسواق بان التضخم عاد للسيطرة وهو التحدي الاكبر الذي يواجه وزير الخزانة في رحلته لاحتواء ازمة السندات.



















