محرقة صامتة فوق الرماد السوري: هل تدفع "عقيدة الاستباق" تل أبيب وأنقرة نحو الصدام؟

خاص - لم يعد الخلاف التركي الإسرائيلي مجرد مناوشات دبلوماسية أو بيانات تنديد، بل انزلق إلى تماس عسكري مباشر فوق الجغرافيا السورية. فبينما تدفع أنقرة نحو تمكين حكومة مركزية قوية في دمشق لضبط حدودها وتأمين مصالحها، تصر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على إبقاء الجار الشمالي كياناً هزيلاً فاقداً للقدرة.
هذا التناقض الصارخ لا يعكس تبايناً سياسياً فحسب، بل يفضح مأزقاً استراتيجياً أوسع رصده الباحث الإسرائيلي داني سيترينوفيتش، متمثلاً في وقوع تل أبيب في فخ "الهوس الأمني الاستباقي" بعد أحداث 7 أكتوبر؛ حيث تحولت الرؤية الإسرائيلية للمنطقة إلى قاعدة صفرية: "لا شيء فرصة.. وكل تحرك تهديد".
محاور الخطر وتآكل البدائل
فخ الميدان السوري: غياب قنوات التنسيق وقواعد الاشتباك المباشرة يجعل من أي ضربة جوية استباقية أو تمدد بري تركي فتيل صدام حتمي بين الطرفين، حتى وإن لم يبلغ مرحلة الحرب الشاملة.
عزلة "عقيدة القوة": الإفراط في الضربات الاستباقية كبديل عن الدبلوماسية ولّد توتراً مع واشنطن، وألحق ضرراً بشرعية تل أبيب، مع تعذر تطويق قوة إقليمية بحجم تركيا بالأدوات العسكرية وحدها.
أوهام المحاور البديلة: محاولات الالتفاف على النفوذ التركي عبر شركاء خارجيين تواجه سقفاً صلباً؛ فالهند والإمارات ترفضان الاصطفاف ضد أنقرة، بينما تظل اليونان وقبرص والورقة الكردية أدوات محدودة الأثر ولا تشكل بديلاً استراتيجياً حاسماً.
سوء قراءة الإقليم: النظر إلى تشكلات مثل "حلف مكة" (السعودية وتركيا وباكستان) كتهديد مباشر لإسرائيل هو توصيف خاطئ؛ فالرياض تتحرك بحسابات ردع ذاتية ولا تزال ترهن أي تطبيع جاد بالملف الفلسطيني.
المنعطف الحرج
تركيا ليست فصيلاً مسلحاً يمكن ردعه بضربة جراحية، ومحاولة خنق صعودها بالمحاور المضادة أثبتت عقمها. المخرج الوحيد أمام صانع القرار في تل أبيب يكمن في التخلي عن منطق "استعداء الجميع"، وتأسيس آلية رسمية وفورية لـ«منع الاحتكاك» العسكري مع أنقرة لإدارة التنافس دبلوماسياً بدلاً من الانجرار إلى مواجهة مكلفة.



















