بعد رفع تصنيف الارهاب.. هل ينجح الاقتصاد السوري في استعادة عافيته؟

تشهد سوريا تحولات اقتصادية لافتة تتجاوز مجرد استئناف الانشطة اليومية المعتادة، حيث تظهر مؤشرات نمو في التجارة عبر الحدود وتطورا في خطط قطاع الطاقة الذي بات يحتل صدارة مشاريع التعافي، وتسعى البلاد حاليا بكل قوتها لاعادة ربط مساراتها الاقتصادية بالمحيط الاقليمي والدولي في محاولة لكسر سنوات من العزلة الطويلة.
واوضحت التقارير ان هذه المؤشرات على الرغم من اهميتها الا انها لا تعني ان الاقتصاد قد تجاوز مرحلة الخطر، فبينما يساهم تخفيف القيود في فتح افاق جديدة امام الاستثمار، تظل المصارف المتعثرة وتهالك البنية التحتية وفجوة الاعمار الضخمة تحديات حقيقية تقف امام تحويل هذا الانتعاش الاولي الى نمو مستدام وقوي.
وبين المحللون ان الفرص الاستثمارية في سوريا مرتبطة بشكل وثيق باعادة اندماجها في محيطها الجغرافي، مع ضرورة وجود مسارات دبلوماسية تضمن تقليل المخاطر السياسية والامنية التي قد تواجه رؤوس الاموال والشركات الاجنبية الراغبة في دخول السوق السورية.
تحولات سياسية وانعكاسات مالية
وكشفت الخطوات الاخيرة عن الغاء الولايات المتحدة تصنيف سوريا كدولة راعية للارهاب، وهي خطوة جاءت بعد مراجعات طويلة في الكونغرس لتنهي عقودا من الحظر القانوني، واعتبر مراقبون ان هذا القرار يمثل نقطة تحول جوهرية في العلاقة مع النظام المالي العالمي.
واضاف الخبراء ان الاثر الاقتصادي الحقيقي لا يقاس بالرمزية السياسية فقط، بل بما يتركه من تغيير ملموس على ارض الواقع فيما يخص التحويلات المالية والتأمين التجاري، حيث يحتاج المستثمرون الى ضمانات واضحة تمنع تجميد الاموال وتسهل العمليات المصرفية دون عوائق قانونية.
واكد الباحثون ان دمشق لا تزال تتطلع الى خطوات اضافية لرفع القيود الشاملة التي تعيق التعافي الكامل، مما يعني ان عملية الانتقال من العزلة القانونية الى الانفتاح المالي المكتمل ستكون مسارا تدريجيا يتطلب وقتا وجهدا كبيرا لتجاوز كافة التحديات.
حركة التجارة ومستقبل الربط الاقليمي
واظهرت البيانات الرسمية ان التجارة مع تركيا تعد احد ابرز مؤشرات عودة سوريا الى الخريطة الاقتصادية، حيث سجل التبادل التجاري نموا ملحوظا خلال العامين الماضيين، مما يعكس تسارعا في حركة البضائع عبر المنافذ الحدودية التي كانت مغلقة او محدودة النشاط.
واشار المختصون الى ان اهمية هذه الارقام تتجاوز التبادل الثنائي، لتصل الى احتمالية استعادة سوريا لدورها كممر بري حيوي يربط بين تركيا واوروبا من جهة، والاردن والخليج من جهة اخرى، وهو رهان يعتمد على تأهيل الطرق والخدمات اللوجستية.
واوضح تقرير اقتصادي ان الرهان على الموقع الجغرافي وحده لا يكفي، فالممر التجاري يحتاج الى اجراءات جمركية سريعة وخدمات تخزين متطورة وكهرباء مستقرة، لضمان ان تكون تكاليف الشحن وزمن العبور ضمن مستويات قابلة للتنبؤ امام الشركات العالمية.
الطاقة كركيزة للنمو والاعمار
وذكرت تقديرات صندوق النقد الدولي ان نمو الاقتصاد السوري قد يشهد قفزة ايجابية مدفوعا بتحسن قطاعات الزراعة والنفط والغاز، اضافة الى تحسن امدادات الكهرباء التي تعتبر العصب الاساسي لتشغيل المصانع وتحريك عجلة الانتاج.
وشدد الخبراء على ان الحديث عن الطاقة يجب ان يظل واقعيا، فمذكرات التفاهم لا تعني توفر التمويل المكتمل، حيث تحتاج المشاريع الى اغلاق مالي وتأهيل للشبكات المتضررة لتكون قادرة على دعم الاستثمارات الكبرى بشكل دائم.
وبين الاقتصاديون ان السؤال الجوهري الذي يواجه اي خطة تنموية هو مدى قدرة المنشآت على الحصول على طاقة مستقرة وبتكلفة معقولة، وهو الاختبار الحقيقي الذي سيحدد نجاح او فشل سياسات اعادة الاعمار في المرحلة المقبلة.
تحديات المعيشة وازمة المصارف
واشار البنك الدولي الى وجود فجوة كبيرة بين الارقام الكلية والواقع المعيشي للسكان، حيث لا يزال جزء كبير من الاسر يعاني لتلبية احتياجاته الاساسية، وهو ما يضع تحديا امام الحكومة لتحويل النمو في الموازنة الى قدرة شرائية حقيقية للمواطنين.
واكد المحللون ان القطاع المصرفي يظل العقدة الاكثر حساسية، حيث يعاني من اختلالات هيكلية تمنعه من القيام بدوره في تمويل الاقتصاد، مما يستدعي اصلاحات جذرية لاستعادة ثقة المودعين وتسهيل حركة الاموال محليا ودوليا.
وختم الخبراء بالتأكيد على ان تكلفة اعادة الاعمار التي تقدر بمليارات الدولارات تجعل الاستقرار السياسي والقانوني عاملا حاسما، فالمقياس النهائي للنجاح سيكون قدرة البلاد على خلق بيئة جاذبة تضمن عمل الشركات بشكل طبيعي ومستمر بعيدا عن المخاطر السابقة.



















